إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

454

الإعتصام

داء الكلب جسم صاحبه فلا يبقى من ذلك الجسم جزء من أجزائه ولا مفصل ولا غيرهما إلا دخله ذلك الداء وهو جريان لا يقبل العلاج ولا ينفع فيه الدواء فكذلك صاحب الهوى إذا دخل قلبه وأشرب حبه لا تعمل فيه الموعظة ولا يقبل البرهان ولا يكترث بمن خالفه واعتبر ذلك بالمتقدمين من أهل الأهواء كمعبد الجهني وعمرو بن عبيد وسواهما فإنهم كانوا حيث لقوا مطرودين من كل جهة محجوبين عن كل لسان مبعدين عند كل مسلم ثم مع ذلك لم يزدادوا إلا تماديا على ضلالهم ومداومة على ما هم عليه « ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا » وحاصل ما عولوا عليه تحكيم العقول مجردة فشركوها مع الشرع في التحسين والتقبيح ثم قصروا أفعال الله على ما ظهر لهم ووجهوا عليها أحكام العقل فقالوا يجب على الله كذا ولا يجوز أن يفعل كذا فجعلوه محكوما عليه كسائر المكلفين ومنهم من لم يبلغ هذا المقدار بل استحسن شيئا يفعله واستقبح آخر وألحقها بالمشروعات ولكن الجميع بقوا على تحكيم العقول ولو وقفوا هنالك لكانت الداهية على عظمتها أيسر ولكنها تجاوزوا هذه الحدود كلها إلى أن نصبوا المحاربة لله ورسوله باعتراضهم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وادعائهم عليهما من التناقض والاختلاف ومنافاة العقول وفساد النظم ما هم له أهل قال العتبى وقد اعترض على كتاب الله تعالى بالطعن ملحدون ولغوا وهجروا واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله بأفهام كليلة وأبصار عليلة ونظر مدخول فحرفوا الكلم عن مواضعه وعدلوا به عن سبيله ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة واللحن وفساد النظم والاختلاف وأدلوا بذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر والحديث الغر واعترضت بالشبهة في القلوب وقد حت بالشكوك في الصدور قال ولو كان ما لحنوا إليه على تقريرهم وتأويلهم لسبق إلى الطعن فيه من لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتج بالقرآن عليهم ويجعله علم نبوته والدليل على صدقه ويتحداهم في مواطن على أن يأتوا بسورة من مثله وهم الفصحاء والبلغاء والخطباء والشعراء والمخصوصون من بين جميع الأنام بالألسنة الحداد واللدد في الخصام مع اللب والنهى وإصالة الرأي فقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب وكانوا يقولون مرة هو سحر ومرة هو شعر ومرة هو قول الكهنة ومرة أساطير الأولين ولم يحك الله عنهم الاعتراض على الأحاديث ودعوى التناقض والاختلاف فيها وحكى عنهم