إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
284
الإعتصام
الشرع التفرقة بين النفل والفرض لئلا تكون النوافل كالفرائض في الدعاء إليها فكان إحداث الدعاء إلى النوافل لم يصادف محلا وبهذه الأوجه الثلاثة يحصل الفرق بين أذان الزوراء وبين ما نحن فيه فلا يصح أن يقاس أحدهما على الآخر والأمثلة في هذا المعنى كثيرة ومن نوادرها التي لا ينبغي أن تغفل ما جرى به عمل جملة ممن ينتمي إلى طريقة الصوفية من تربصهم ببعض العبادات أوقاتا مخصوصة غير ما وقته الشرع فيها فيضعون نوعا من العبادات المشروعة في زمن الربيع ونوعا آخر في زمن الصيف ونوعا آخر في زمن الخريف ونوعا آخر في زمن الشتاء وربما وضعوا الأنواع من العبادات لباسا مخصوصا وأشباه ذلك من الأوضاع الفلسفية يضعونها شرعية أي متقربا بها إلى الحضرة الإلهية في زعمهم وربما وضعوها على مقاصد غير شرعية كأهل التصريف بالأذكار والدعوات ليستجلبوا بها الدنيا من المال والجاه والحظوة ورفعة المنزلة بل ليقتلوا بها إن شاءوا أو يمرضوا أو يتصرفوا وفق أغراضهم فهذه كلها بدع محدثات بعضها أشد من بعض لبعد هذاك الأغراض عن مقاصد الشريعة الإسلامية الموضوعة مبرأة عن مقاصد المتخرصين مظهرة لمن تمسك بها عن أوضار اتباع الهوى إذ كل متدين بها عارف بمقاصدها ينزهها عن أمثال هذه المقاصد الواهية فالاستدلال على بطلان دعاويهم فيها من باب شغل الزمان بغير ما هو أولى وقد تقرر - بحول الله - في أصل المقاصد من كتاب الموافقات ما يؤخذ منه حكم هذا النمط والبرهان على بطلانه لكن على وجه كلى مفيد وبالله التوفيق وهذا كله إن فرضنا أصل العبادة مشروعا فإن كان أصلها غير مشروع فهي بدعة حقيقية مركبة كالأذكار والأدعية بزعم العلماء أنها مبنية على علم الحروف وهو الذي اعتني به البوني وغيره ممن حذا حذوه أو قاربه فإن ذلك العلم فلسفة ألطف من فلسفة معلمهم الأول وهو أرسطا طاليس فردوها إلى أوضاع الحروف وجعلوها هي الحاكمة في العالم وربما أشاروا عند العمل بمقتضى تلك الأذكار وما قصد بها إلى تحرى الأوقات والأحوال الملائمة لطبائع الكواكب ليحصل التأثير عندهم وحيا فحكموا العقول والطبائع - كما ترى - وتوجهوا شطرها وأعرضوا عن رب العقل والطبائع وإن ظنوا أنهم يقصدونه اعتقادا في استدلالهم لصحة ما انتحلوا على وقوع الأمر وفق ما