إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

280

الإعتصام

ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه فإنه من باب وضع الحكمة غير موضعها فسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها - وهو الغالب - وهو فتنة تؤدى إلى التكذيب بالحق وإلى العمل بالباطل وإما لا يفهم منها شيئا وهو اسلم ولكن المحدث لم يعط الحكمة حقها من الصون بل صار في التحدث بها كالعابث بنعمة الله ثم إن ألقاها لمن لا يعقلها في معرض الانتفاع بعد تعقلها كان من باب التكليف بما لا يطاق . وقد جاء النهى عن ذلك فخرج أبو داود حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الغلوطات قالوا وهي صعاب المسائل أو شرار المسائل وفي الترمذي - أو غيره - أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسم فقال يا رسول الله أتيتك لتعلمني من غرائب العلم فقال عليه السلام ما صنعت في راس العلم قال وما رأس العلم قال هل عرفت الرب قال نعم قال فما صنعت في حقه قال ما شاء الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب فأحكم ما هنالك ثم تعال أعلمك من غرائب العلم وهذا المعنى هو مقتضى الحكمة لا تعلم الغرائب إلا بعد إحكام الأصول وإلا دخلت الفتنة وقد قالوا في العالم الرباني إنه الذي يربى بصغار العلم قبل كباره وهذه الجملة شاهدها في الحديث الصحيح مشهور وقد ترجم على ذلك البخاري فقال باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا ثم اسند عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ثم ذكر حديث معاذ الذي أخبر به عند موته تأثما وإنما لم يذكره إلا عند موته لأنه النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن له في ذلك لما خشي تنزيله غير منزلته وعلمه معاذا لأنه من أهله وفي مسلم مرفوعا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة قال ابن وهب وذلك أن يتأولوه غير تأويله ويحملوه إلى غير وجهه وخرج شعبة عن كثير بن مرة الحضرمي أنه قال إن عليك في علمك حقا كما أن عليك في مالك حقا لا تحدث بالعلم غير أهله فتجهل ولا تمنع العلم أهله فتأثم ولا تحدث بالحكمة عند السفهاء فيكذبوك ولا تحدث بالباطل عند الحكماء فيمقتوك .