إعداد أبو الفضل حافظيان البابلي
393
رسائل في دراية الحديث
واستند النظّام إلى تكذيب المنافقين في قوله تعالى : ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) ( 1 ) مع تفوّههم بما كان متأصّلا في حاقّ الواقع من قولهم : ( إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ) بدليل ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ ) وهو مدخول بوجوه وجيهة من إرجاع التكذيب إلى ادّعائهم تصميمَ قلوبهم - كما يرشد إليه توكيد كلامهم ب : " إنّ " و " لامِه ( 2 ) " واسميّةِ الجملة - أو الاستمرارَ - كما هو مفاد المضارعيّة - أو لازم الفائدة ، أو إظهار سجيّتهم ودَيْدَنهم ، أو بملاحظة إطلاقهم الشهادة عليه ، أو - بناء على زعمهم الفاسد - عدم طباقه الواقع ، أو إلى حلفهم . ولا يبعد - كلَّ البُعد - أن يكون الصدق محضَ الواقعيّة ، والكذبُ عدمَها في نفس الأمر ، وأمّا ترتّب الآثار ظاهراً وإطلاق أحدهما عرفاً ، فلعلّه يحتاج إلى اعتبار قيد زائد أيضاً ، وهو علم المخبر بواقعيّته أو عدمها . وبناء على ذلك ، فيتبدّل ويتغيّر إطلاقهما بالإضافة إلى اثنين حسب علمهما ومعرفتهما ، ف " زيد قائم " صادق عند عمرو ، كاذب عند بكر مثلا ، ولكن لا ينبغي لمن علم كذبه أن يكذّب من أخبر به عالماً صدقه ، حسب ما أدّى إليه نظره ، بل لو كان خالف مقتضى علمه كان أجدرَ بالتكذيب . ولعلّ تكذيب المنافقين لأجل ما قلنا . ويؤيّده أنّ المخبر بإفطار غبار من المجتهدين - مثلا - حسب ما أدّى إليه نظره يزعم طباقَه الواقعَ ، ومفت آخَرُ يفتي بعدمه ظانّاً عدمَه ، ولكن لا يسوغ له تكذيب الأوّل لأجل ما أفدنا ، وإلاّ فليفسِّقه مع أنّ عدمه مقطوع به ، بل ويَفسق المفسِّق قطعاً لا يحومه شائبة ريب ووهم ، بل ويكذب المخالف لما أدّى إليه نظره بلا دليل يخالف ذلك . نعم ، لابدّ من استثناء المقطوع واقعيّتُه أو عدمُها ، فإنّ المخالف في حرارة النار ورطوبة الماء يكذب قطعاً ؛ لأنّه خالف مقتضى عقله ونظره تصلّباً وتعسّفاً ، أو من
--> 1 . المنافقون : 1 . 2 . أي لام التوكيد .