إعداد أبو الفضل حافظيان البابلي

256

رسائل في دراية الحديث

فيما بيني وبين ربّي - تقدّس ذِكْره ، وتعالت قدرته - وجميع ما فيه مستخرجٌ من كتب مشهورة عليها المعوَّل ، وإليها المرجع " ( 1 ) فيكون مراده بالصحّة ؛ بمعنى المعتَمَد والمعوَّل [ عليه ] - كما [ هو ] مذهب القدماء - فلذا فسّره بالمعوَّل [ عليه ] . فالصدوق عليه الرحمة لا يدّعي قطعيّة الصدور أصلا ، بل قال : بأنّ ما أفتى به مأخوذٌ من كتب مشهورة ، واشتهار الكتب لا يقتضي كونها قطعيّةً . مضافاً إلى أنّه - رحمه الله - في مقام الفتوى بمضمونها ، فهي ليست حجّةً على غيره . على أنّ الإخبار بصحّة ما في الفقيه لا يستلزم حصولَ علمه - رحمه الله - بقطعيّة صدور أخباره . على أنّ كون الشيء قطعيّاً - لو سلّمنا - عند شخص لا يستلزم أن يكون قطعيّاً عند آخرين ، والشاهد على ذلك : عدم إيراد الشيخ في الكتابين ( 2 ) جميعَ ما في الفقيه والكافي وكذا عدم إيراد الصدوق جميعَ ما في الكافي شاهدٌ على أنّ ما قطع به ثقة الإسلام غيرُ ملازم لحصول القطع بالصدور لمن تأخّر ، ولو كان ذلك الآخَر مثل الصدوق ، مع قرب عهده إليه ، ونهاية جلالته ووثاقته ، وشدّة بذل جهده وصرف همّته - في مدّة عشرين سنةً - لتأليف كتابه الكافي . فلو كان عِلم صاحب الكافي كافياً في حصوله للصدوق لَلَزم عليه إيراد ما هو المنتخب [ منه ] واعتبار ما جُمع فيه ؛ في الفقيه فتأليفه كتاباً آخَرَ مخالفاً لِما ألّفه دليلٌ على أنّه لم يَرْضَ بجميع ما جمعه فيه . ثمّ الشيخ - مع غاية قربه منهما - لم يعتمد عليهما ، كما ذكرنا عدم اكتفاء الصدوق بما ذكره في الكافي حرفاً بحرف . ومع ذلك كلّه نقول : إنّ الصدوق - مع أنّه صرّح في ديباجة كتابه [ بقوله ] : قصدتُ [ إلى ] إيراد ما أُفتي به ، وأحكم بصحّته ، وأعتقد فيه أنّه حُجّةٌ فيما بيني وبين ربّي - قد

--> 1 . كتاب مَن لا يحضره الفقيه 1 : 3 . 2 . يعني : كتابي الأخبار ، التهذيب والاستبصار .