إعداد أبو الفضل حافظيان البابلي
227
رسائل في دراية الحديث
والشاهد على ذلك قوله : " لم أقصد فيه قصدَ المصنّفين في إيراد جميع ما رَوَوْه ، بل قصدتُ إلى جمع ( 1 ) ما أُفتي به وأحكم بصحّته " ( 2 ) حيث لم يقُل : جميع ( 3 ) ما أُفتي به وأحكم بصحّته . ثمّ لا يخفى ما فيه من الدلالة - أيضاً - على عدم صحّة جميع ما في الكتب المؤلّفة التي منها كتاب الكافي لابن يعقوب ، إذ لو كانت [ كما ] يدّعيه هذا القائل لوجب عليه العمل بها ، والاعتماد عليها ، ولم يجُز له العدول منها إلى ما يخالفها ، ولا فوات شيء منها ، لأنّه بفوات ذلك الشيء يفوت الثابت في الذمّة [ وهو ] غير جائز . هذا ، والذي يخطُر بالبال هو أنّ أمر الأئمّة ( عليهم السلام ) بتمييز الروايات بعضها عن بعض ؛ بما قرّروه من وجوه الترجيح - وهو : العَرْض على كتاب الله ، والتَّرْك لِما وافق القوم ، والأمر بالأخذ بقول العدل والثقة ، والمُجْمع عليه ، ونحو ذلك من وجوه التمييز - دليلٌ على [ أنّ ] الأخبار الواصلة إلينا غير سليمة من المفسدة ، فيحتاج في تمييز بعضها عن بعض إلى القرائن المفيدة للصحّة ، وهي تختلف باختلاف آراء المحدّثين ، فمدّعي القطع بصحّتها يجوز عليه الخطأ في تلك الدعوى ، والطريق الذي حصل له القطع به ربّما كان ضعيفاً لو اطّلعنا عليه . وممّا يشهد لذلك أنّا نجد مَن يذهب إلى القطع بصحّة بعض الأخبار التي لا يحصل للناظر فيها ظنٌّ ، فضلا عن غيره ، ولذا نجد أنّ بعض أصحابنا السالفين مختلفين باختلاف الأخبار - فيما مضى ، وغيره من الأعصار - وما ذلك إلاّ لأنّ كلَّ مَن عَمِل بخبر فهو عنده صحيحٌ دون غيره ، وهكذا غيره بالنسبة إليه ، وهو دليلُ فساد أحد الخبرين ، وكلٌّ مكلّف بما عَلِمَ صحّته ، إذ لو صحّا عنده لَعَمِلَ بمضمونها - ولو بالتوزيع - أو توقَّف ، وإذا كانت قرائن أحدهما المفيدة لصحّة أخباره لم تُفِدْ صاحبَه صحّةً في أخبارهم - مع اطّلاعهم على ما لم نطّلع عليه - فنحن أولى .
--> 1 . كذا ، وفي الفقيه : بل قصدت إلى إيراد ما أُفتي به . . . . 2 . كتاب من لا يحضره الفقيه 1 : 2 - 3 . 3 . اُنظر : الهامش رقم ( 1 ) .