السيد محسن الخزازي

28

بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية

باب الشهود والعلم الحضوري الذي لا يحتاج إلى وساطة شئ آخر . وهذا الادراك يؤكد بالعبادات المأثورة الشرعية إذ كلما ازدادت النفس تزكية وصفاء كان هذا الإدراك فيها آكد وأتم . وكلما ازدادت النفس فسقا وفجورا كان الإدراك المذكور فيها ضعيفا ويؤول ضعفه إلى حد ربما يتخيل عدمه . وللرسل سهم وافر في ازدياد هذا الإدراك وتقويته كما أشار إليه أمير المؤمنين - عليه السلام - بقوله : " فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستادوهم ميثاق فطرته ويذكروهم منسي نعمته ويحتجوا عليهم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول " ( 1 ) . وكيف كان فهذا الإدراك لا يختص بزمان دون زمان وبقوم ، بل هو موجود في الإنسان من بدء حياته إلى زماننا هذا وبعده ، كما اعترف به جمع كثير من علماء الغرب أيضا على ما حكاه الأستاذ الشهيد المطهري - قدس سره - وهو من شواهد كون هذا الإدراك فطريا ( 2 ) . وإلى ما ذكر يشير الإمام الباقر - عليه السلام - في قوله : " فطرهم على المعرفة به " ( 3 ) . ثم إن الفطرة لا تبديل لها وإن أمكن خفاؤها ، بسبب توجه النفس إلى الدنيا والأمور المادية والاشتغال بها . ولعل قوله تعالى : " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم " ( 4 ) يشير إلى ذلك .

--> ( 1 ) نهج البلاغة : خطبة 1 . ( 2 ) راجع أصول فلسفة : ج 5 ص 72 . ( 3 ) أصول الكافي : ج 2 ص 13 . ( 4 ) الروم : 30 .