السيد محسن الخزازي
154
بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية
الإرادة وهو الفارق عندهم بين الفعل الاختياري والاضطراري . والذي أوجب هذا الزعم الفاسد فيهم ، هو عدم درك معنى التوحيد الأفعالي ، وتخيلوا أنه لا يمكن الجمع بين التوحيد الافعالي وسببية الأشياء . وفيه أولا : أن انكار السببية والعلية خلاف الوجدان ، فإنا نرى أنفسنا علة ايجادية بالنسبة إلى التصورات والتفكرات الذهنية ونحوها من أفعال النفس ، لأن هذه الأمور مترشحة عن النفس ومتوقفة عليها من دون العكس ، وليس معنى السببية إلا ذلك ، والوجدان أدل دليل على ثبوت السببية والعلية فلا مجال لانكارها . وثانيا : أن التزاحم المشاهد بين الماديات مما يشهد على وجود رابطة العلية والتأثير والتأثر بالمعنى الأعم فيها ، وإلا فلا مجال لذلك ، إذ المفروض أنه لا تأثير لها ، وإرادته تعالى لا تكون متزاحمة ، لعدم التكثر في ذاته ، والمفروض أنه لا دخل لغيره تعالى في السببية ، فالتزاحم ليس إلا لتأثير الماديات بعضها في بعض . وثالثا : بأن النصوص الشرعية تدل على وجود الرابطة السببية ، كقوله تعالى : " فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا * قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا " ( 1 ) حيث نسب التمثل وهكذا هبة الغلام إلى الروح . وكقوله عز وجل : " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم " ( 2 ) إذ أسند عذاب الكفار إلى أيدي المؤمنين وغير ذلك من الآيات ، فلا وجه لإنكار السببية . وأما توهم المنافاة بينها وبين التوحيد الأفعالي فهو مندفع ، بأن السببية المذكورة ليست مستقلة حتى تنافيه ، بل هي السببية الطولية ، وهي منتهية إليه
--> ( 1 ) مريم : 17 - 19 . ( 2 ) التوبة : 14 .