ميرزا موسى تبريزي

256

أوثق الوسائل في شرح الرسائل

من الواضح أنّه لا يكون كلفة فيهما وكان المتداول في كلامهم استعمال أصل البراءة في نفي الوجوب وأصل الإباحة في نفي التّحريم والكراهة والتعميم أولى بالمقام لصلوح اللفظ له بالمعنى الَّذي ذكرناه مع اشتراك الجميع في الأدلَّة انتهى وأنت خبير بأن ما ذكره وإن كان متجها بحسب استعمال أصالة البراءة في مواردها في كلمات العلماء إلَّا أنّه لم يقم دليل على اعتبارها بهذا الإطلاق لأنّ غاية ما دل عليه الدّليل العقلي المستدل به عليها والمنساق من الأدلَّة اللفظية كما سيجيء في محلَّه هو مجرّد نفي العقاب على مخالفة التّكليف المحتمل مع عدم وصول البيان من الشّارع لا نفي التكليف المحتمل في الواقع حتّى يقال أنّه أعمّ من الوجوب والحرمة وغيرهما قوله : إمّا عدم النّصّ إلخ لعل المراد بالنّص هو مطلق الدليل الشّامل للإجماع وغيره أيضا وإلَّا فلا اختصاص لموارد البراءة بموارد فقدان النصّ فقط ولعلّ تخصيصه بالذّكر لأجل كون بيان الأحكام به غالبا قوله : بناء على تواتر القراءات إلخ كذلك بناء على عدم تواترها مع ثبوت جواز الاستدلال بكل قراءة من السّبعة كما أشار إليه في مبحث حجيّة الظنّ فراجع قوله : على ما يرجع إلى قولين إلخ لعل التّعبير بهذه العبارة إشارة إلى ضعف ما توهمه المحقق القمي رحمه الله حيث نسب القول بالتفصيل بينما يعمّ به البلوى وغيره بالقول بالبراءة في الأوّل دون الثّاني إلى المحقق في المعتبر ووجه الضّعف أنّ المحقّق إنّما فصّل بذلك بالنّسبة إلى كون عدم الدّليل دليل العدم وقد تقدّم في الحواشي السّابقة عند بيان الفرق بين أصالة البراءة وسائر الأصول مغايرة هذا الأصل عندهم لأصالة البراءة مع أنّ المقصود في المقام بيان حكم ما اشتبه حكمه الواقعي أعني الحرمة في مقام الظاهر وأنّه هي البراءة أو الاحتياط والأصل المذكور وإن سلمنا اندراجه في أصالة البراءة إلا أنّه يفيد نفي الحكم فيما يعمّ به البلوى بحسب الواقع دون الظَّاهر فلا دخل له فيما نحن فيه فالأولى حصر القول في المقام في البراءة والاحتياط قوله : منها قوله تعالى لا يكلَّف اللَّه إلخ هذه الآية في سورة الطَّلاق وتقريب الدلالة أنّ المراد بالإيتاء إمّا هو الإعلام كما يشعر به قوله عليه السّلام إنّ اللَّه يحتج على النّاس بما آتاهم وعرّفهم وإمّا الإقرار كما هو صريح الطَّبرسي فهي تدل على الأوّل على نفي التّكليف قبل وصول الإعلام والبيان من اللَّه سبحانه وعلى الثّاني على نفي التّكليف عن غير المقدور لأنّ المعنى حينئذ لا يكلَّف اللَّه نفسا إلا ما أقدرها عليه والتكليف بالمجهول تكليف بغير المقدور فيكون منفيا بحكم الآية وأمّا ما أورد عليه المصنف رحمه الله بأن ترك ما يحتمل التّحريم ليس غير مقدور فيرد عليه أنّه إن أراد ذلك عقلا فمسلم إلَّا أنّه غير مجد لأن الخطابات الشرعيّة واردة على متفاهم العرف فيكفي في الاستدلال بها كون الفعل غير مقدور في نظر عامة النّاس وما نحن فيه كذلك كما ستعرفه وإن أراد ذلك في نظر العامة فهو ممنوع وتوضيح المقام أنّ خروج الفعل من قدرة المكلف تارة يكون عقليّا وأخرى عرفيّا بمعنى كونه كذلك في نظر أهل العرف وإن لم يكن كذلك عقلا ومن هذا القبيل أمر الموالي عبيدهم بما لم يكن لهم طريق إلى امتثاله إذ لا ريب في عدّ مثل ذلك عندهم من قبيل التّكليف بغير المقدور وما نحن فيه من هذا القبيل إذ لو تنجّز التكليف بالواقع فيما يحتمل التحريم عدّ ذلك أيضا تكليفا بغير مقدور إذ الفرض عدم ثبوت وجوب الاحتياط حتّى يقال إنّه طريق ظاهري في الشبهات ومجرد حسن الاحتياط عقلا وشرعا لا يصلح أن يكون طريقا لامتثال التكليف المفروض تنجزه في الواقع إذ غايته جواز الاحتياط وهو لا يصلح طريقا لذلك وبالجملة أنّ وجه الاستدلال أنّ المراد بالموصولة إمّا هو الحكم والمراد بإيتائه إعلامه كما ترشد إليه الرّواية المتقدّمة إلَّا أنّه يشكل بعدم شمول الآية حينئذ لموردها كما أفاده المصنف رحمه الله وإمّا نفس الفعل والترك والإيتاء وإن كان حقيقة في الإعطاء إلا أن إيتائهما كناية عن الإقدام عليهما والمعنى لا يكلَّف اللَّه نفسا إلَّا بفعل أقدرها عليه فما هو غير مقدور للمكلَّف لا يكلف به وهو أعمّ ممّا كان غير مقدور بالذّات كالطيران إلى السّماء أو بالعرض كما فيما نحن فيه على ما عرفت وعليه تكون الآية عامة لمواردها أيضا وهو خصوص المال كما يرشد إليه قوله سبحانه قبلها ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممّا آتاه اللَّه لأنّ المعنى حينئذ بالنّسبة إلى موردها لا يكلف اللَّه نفسا إلَّا بدفع مال أقدرها عليه وبالنّسبة إلى الأحكام المعلومة لا يكلف اللَّه نفسا إلَّا بفعل واجب أو ترك حرام أقدرها عليه ولا يرد عليه ما أورده المصنف رحمه الله على إرادة المعنى الأعم من استلزامه لاستعمال اللَّفظ في أكثر من معنى لكون الموصولة على ما ذكرناه عبارة عن نفس الفعل أو الترك وهو إن اعتبر بالنّسبة إلى مورد الآية وهو المال فهو عبارة عن دفعه وإن اعتبر بالنسبة إلى الأحكام فهو عبارة عن الإتيان بها وامتثالها وممّا ذكرناه يظهر تقريب الاستدلال بقوله تعالى في آخر سورة البقرة لا يكلف اللَّه نفسا إلا وسعها نظرا إلى كون الفعل المجهول الحكم خارجا عن وسع المكلَّف في نظر العامة كما تقدم وكذا يندفع ما أورد عليه بأنّه إنّما يتم على تقدير انسداد باب العلم في أغلب الأحكام نظرا إلى كون التكليف بالأفعال المجهولة الحكم في الواقع مع تعذر الاحتياط لكثرة الشبهات تكليفا بما هو خارج من الوسع بخلاف ما لو كان باب العلم مفتوحا عقلا أو شرعا كما هو الفرض لأن الكلام مع الأخباريين القائلين بالانفتاح بل على مذهب القائلين بالظنون الخاصّة من الأصوليين إذ لا ريب في تيسّر الاحتياط حينئذ لقلة موارد الشبهة فالتكليف بالأفعال المجهولة الحكم لا يستلزم المحذور ووجه الاندفاع واضح لأنّ ما ذكرناه مبني على كون الفعل المجهول الحكم خارجا من الوسع مطلقا من دون فرق بين قلَّة الشبهات وكثرتها قوله : لأن نفس المعرفة باللَّه غير مقدور لعل الوجه فيه هو كون المراد بالمعرفة هي المعرفة الكاملة الَّتي لا يهتدي إليها العباد بعقولهم القاصرة أو المراد بها مطلقها إلَّا أنّ المراد بالبيان أعم من البيان الشّرعي والعقلي والقرينة على التأويل بهذين الوجهين هو تعرّض السّائل لهذا السّؤال إذ من البعيد حصول الشّبهة في وجوب أصل المعرفة مضافا إلى نفي الإمام عليه السّلام للتكليف من دون بيان من اللَّه تعالى للقطع بثبوت التكليف بأصل المعرفة ولو مع عدم بيان من اللَّه سبحانه وحاصل ما ذكره انطباق الرّواية على الآية على تقدير كون المراد بالموصولة هو الفعل والتّرك وبالإيتاء الأقدار