السيد محمد بن علي الطباطبائي

96

المناهل

المال وقد تضمن بعضها دعوى الاتفاق عليه ولا اشكال في ذلك حيث يصدق حقيقة عرفا ولغة السفاهة مع ذلك والا فالأقرب عدم الحكم بها وإذا خلى عن ملكة اصلاح المال وصرفه في الوجوه اللايقة بأفعال العقلاء ولكن أصلحه وصرفه في الوجوه اللائقة بأفعالهم على وجه الاتفاق فهل يحكم بسفاهته أو لا الأقرب الأول لما بيناه سابقا من توقف الرشد على الملكة وصرّح في لك بأنه لو كان له ملكة الاصلاح والعمل وجمع المال ولكن ينفقه بعد ذلك في غير الوجه اللائق بحاله فإنه لا يكون رشيدا أيضاً وهو جيد وعدّ من السفاهة أمور منها انفاق المال في المحرمات كشرب الخمور وآلات اللهو والقمار ونحو ذلك وقد صرّح بذلك في التذكرة والتحرير ولك والتنقيح ومجمع الفائدة والرياض بل صرّح في الأوّل بدعوى الاجماع عليه ثم احتج عليه بتبذيره وتضييعه إياه في غير فائدة وهو على اطلاقه مشكل ولذا صرّح في الكفاية بان الانفاق في المحرّمات على وجه التبذير سفاهة ومنها صرف المال في الأطعمة النفيسة التي لا تليق بحاله بحسب وقته وبلده وشرفه وضعته وقد صرّح بهذا في الارشاد والتحرير ولك وضه والكفاية وزاد في الثالث قائلا ومثله شراء الأمتعة الفاخرة واللباس كك ونحوه وصرّح في التذكرة بان صرف المال في الملابس النّفيسة والثياب الرّقيقة والمركوبات الجليلة التي لا تليق بحاله سفاهة وما ذكروه جيد مع الصدق عرفا حقيقة كما أشار إليه في مجمع الفائدة قائلا صرف المال في الأطعمة النفيسة والأشربة والأكل والشرب الغير اللائق بحاله بحيث يعاب على ذلك عرفا غالبا سفاهة ومنها تضييع المال بالقائه في البحر وقد صرّح بهذا في كره ومجمع الفائدة وأطلق في التذكرة ولك والرياض كون التضييع سفاهة ومنها عدم التحفظ من الانخداع والتغابن في المعاملات وقد صرّح بهذا في الشرايع والتذكرة ورة وشد والتنقيح ولك وضه ومجمع الفائدة والرياض وصرّح في جامع المقاصد ولك والكفاية والرياض بان الغلط والانخداع أحيانا لا يوجب السفاهة وعلله في الثاني والرابع بوقوعه كثيرا من المتصفين بالرشد وهو جيد وينبغي التنبيه على أمور الأول صرّح في لك بأنه يعتبر في الرشد القدرة على حفظ الموجود وتحصيل المعدوم ومنعه في مجمع الفائدة وهو الأقرب الثاني صرّح في مجمع الفائدة بان الذي يترك صنعة أبيه ليس بسفيه وهو جيد الثالث صرّح في الكفاية بان تعدد الملبوسات وكثرتها ليس بإسراف محتجا عليه بالأخبار المستفيضة وما ذكره جيد حيث لا يصدق اسم السفه الرابع لا اشكال في عدم تحقق السفاهة بصرف المال في صنوف الخير وفى سبيل اللَّه تعالى من الصدقات المستحبة والأوقاف كبناء المساجد والمدارس والرباطات واكساء العاري واطعام الجايع وإعانة الفقراء ونحو ذلك حيث يكون ذلك لائقا بحاله عادة وهل تتحقق السّفاهة بصرف جميع أمواله أو أكثرها في صنوف الخير وفى سبيل اللَّه تعالى وان لم يكن لائقا بحاله أو لا فيه قولان أحدهما انها لا تتحقق بذلك وهو للارشاد وجامع المقاصد والروضة ومجمع الفائدة بل صرّح بدعوى الشهرة عليه في لك وثانيهما انها تتحقق بذلك وهو للتذكرة والكفاية وغيرهما للأولين وجوه منها الأصل ومنها ان ذلك لو كان موجبا للسفاهة والخروج من الرشد للزم تقييد الاطلاقات والعمومات الواردة في الأمر والترغيب بتلك الخيرات والتالي باطل فالمقدم مثله اما الملازمة فلأن اللَّه سبحانه لا يأمر بما يقتضى السّفاهة واما بطلان التالي فلان الأصل عدم التقييد والتخصيص حيث لا دليل عليهما كما في محل البحث وقد أشار إلى ذلك في مجمع الفائدة بقوله صرف المال في التقربات وأصناف الخيرات ليس تبذيرا واسرافا منافيا للرشد وهو الظ من الكتاب والسنّة إذ الترغيب والتحريص على الانفاق فيهما كثير جدا ولا يمكن حصره وعد من تلك العمومات قوله تعالى : « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » و : « آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ » ومنها ان السّفاهة انما تتحقق باعتبار خلو صرف المال عن فائدة تقابله وليس الأمر هنا كذلك فان الفوائد المترتبة على هذا النوع من الصرف أعظم من المال ومن جميع الفوايد الدنيوية بالضرورة ويرشد إليه قوله تعالى : « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها » وقوله تعالى : « مَنْ ( ذَا الَّذِي ) يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً » الآية وبالجملة هذه الفوائد يليق بها بذل النفوس دونها فكيف بالأموال ولذا بذلت الأنبياء والأوصياء والأولياء أنفسهم دونها فكيف يمكن أن يعد بذل الأموال الكثيرة لأجل تحصيلها سفاهة مع أن المعاملة مع أرذل الناس يتوقع نفع جزئي لا يعد سفاهة ومحال أن يكون المعاملة مع اللَّه سبحانه أدون من المعاملة مع الناس فت ما قلناه بعين البصيرة ومنها ان السفاهة والرشد من موضوعات الأحكام الشرعية فيجب الرجوع فيهما إلى العرف ولا شك في أنه يصدق على من بذل أكثر أمواله بل جميعها في سبيل اللَّه تعالى وصنوف الخيرات تقربا إلى الله تعالى وإخلاصا له انه رشيد ممدوح ولا يصدق عليه انه سفيه بوجه من الوجوه ومنها ما نبه عليه في لك بقوله ومن المستفيض خروج جماعة من الصحابة وبعض الأئمة عليهم السّلام كالحسن ع في أموالهم في الخير ويعضد ما ذكره ما ذكر في مجمع الفائدة قائلا ويكفى في ذلك ايثار أمير المؤمنين ع المسكين واليتيم والأسير على نفسه وولده وزوجته وأمته مع كونهم صائمين وشدة حاجتهم وامكان دفع حاجتهم بأقل مما أعطاهم فإنه نقل في التفاسير انه ع استقرض من يهودي ثلاثة أصوع من الشعير وطحنت فاطمة ع كل ليلة صاعا وخبزت خمسة أقراص بعددهم فأعطاهم إياها وتركهم بلا عشاء وما ذاقوا كلهم الَّا الماء في هذه الثلاثة الليالي وفى النهار كانوا صائمين فنزلت فيهم سورة هل أتى بمدح عظيم لم ينله الَّا هم قال في مجمع البيان وليس ذلك مخصوصا بهم بل كل مؤمن يفعل ذلك ينال ذلك ويعضد ما ذكر أيضاً صرف النبي ص وأمير المؤمنين ع ما كانا يتملكانه في الجهاد من الأموال الكثيرة في سبيل اللَّه تعالى لا يقال هذا مدفوع بما نبه عليه في لك بقوله اللهم الا أن يمنع من كون ذلك لا يليق بهم والكلام انما هو في ذلك