السيد محمد بن علي الطباطبائي
254
المناهل
بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم الحمد لله رب العالمين والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين كتاب مناهل جملة من الاحكام المتفرقة منهل لا ريب في أن عقوق الأبوين من المحرمات والكبائر القادحة في العدالة وقد صرح بذلك في النهاية والقواعد والتحرير والايضاح والروضة والمسالك والكشف ولهم وجهان أحدهما ظهور الاتفاق عليه وثانيهما الأخبار المستفيضة بل المتواترة أحدها صحيحة عبد العظيم بن عبد الله الحسيني قال حدثني أبو جعفر ثاني ع قال سمعت أبي موسى بن جعفر ع يقول قال أبو عبد الله ع من الكبائر عقوق الوالدين والله سبحانه جعل العاق جبارا شقيا وثانيها صحيحة ابن محبوب عن أبي الحسن ع قال من الكبائر عقوق الوالدين وثالثها صحيحة عبد الله بن أبي يعفور قال قلت لأبي عبد الله ع بم بعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته فقال ان تعرفوه بالستر واجتناب الكبائر وعقوق الوالدين ورابعها حسنة عبيد بن زرارة قال سألت أبا عبد الله عن الكبائر فقال هن في كتاب علي ع سبع الكفر بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين الحديث ويعضد هذه الأخبار خبر مسعد بن صدقة وخبر أبي بصير وخبر عبد الرحمن كثير وخبر الفضل بن شاذان وخبر الكراجكي وخبر عبد الله بن سنان وخبر أبي الصامت والنبوي المرسل فان هذه الأخبار بأسرها قد صرحت بان العقوق من الكبائر بل في الأخير انه من أكبر الكبائر وكذا يعضدها ما دل على أن قطع الرحم من الكبائر لتضمن العقوق قطع الرحم أيضا وينبغي التنبيه على أمور الأول صرح في النهاية والقاموس والمصباح المنير ومجمع البحرين بان العقوق في الأصل من العق وهو الشق وقال في الأول يق عق والده إذا اذاه وعصاه وخرح عليه ثم صرح بان العقوق في حق الوالدين والأقربين من أهل الإساءة إليهم والتضييع لحقهم وصرح في الثالث والرابع بأنه يق عق الولد أباه إذا اذاه وعصاه وترك الاحسان إليه وصرح في الأولين كما عن الصحاح بان العقوق ضد البر بالكسر وفسره في الأول وفى الثاني بالصلة والمنة والخير والاتساع بالاحسان وفى الثالث بالخير والفضل وفى الرابع بالصلة والاتساع بالاحسان والزيادة ونقل عن بعض القول بان البر اسم جامع للخير كله الثاني هل يحرم ان يقال للوالدين أف أو لا المعتمد هو الأول لقوله تعالى : « وقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً » فان النهى حقيقة في التحريم ولا معارض له فيجب العمل به ويؤيده جملة من الروايات ففي رواية في مجمع البيان مرسلا عن الصادق ع أدنى العقوق أف ولو علم الله بشئ أيسر منه أو أهون منه لنهى عنه وصرح في مجمع الفائدة بان هذا المضمون وارد في عدة من الاخبار وفى رواية أخرى مروية في مجمع البيان مرسلا عن الرضا عن أبيه عن جده الصادق ع ولو علم الله لفظة أوجز في أقل عقوق الوالدين عن أف لاتى به ويستفاد من هذه الأخبار كون ذلك كبيرة وفيه نظر للأصل وضعفها سندا نعم لو اقتضى ذلك الايذاء اتجه كونه كبيرة وصرح في مجمع البيان بان كلمة أف تدل على الضجر وحكى عن بعض انه حكى عن أبي عبيدة أنه قال إن آلاف والتف وسخ الأصابع إذا فتلته وحكى عن بعض انه حكى عن ابن عباس أنه قال هي كلة كراهة وحكى عن بعض تفسيرها بالسنن ويستفاد من النهى عن التأفيف المنع من سائر الأذى قياسا بطريق الأولى وقيل عزبا ولا معارض له فيلزم العمل به ويدخل في ذلك الإهانة والزجر باغلاظ وصياح وغيرهما وقد فسر به في مجمع البيان والصافي وغيرهما النهر المنهى عنه بقوله تعالى : « ولا تَنْهَرْهُما » وفسره علي بن إبراهيم في تفسيره بالمخاصمة وهى أيضا حرام وقيل معناه لا تمنعاهما من شئ اراداه وفيه نظر بل الأقرب عدم تحريمه وقيل النهى والنهر واحد وفيه نظر بل الأقرب عدم تحريمه ويدخل في ذلك أيضا النظر إليها على وجه المقت ويدل على حرمته بعض الأخبار الصحيحة أيضا فلا اشكال فيها الثالث هل يجوز إهانة الأبوين وايذاهما أو زجرهما وضربهما حيث يتوقف أمرهما بالمعروف ونهيهما عن المنكر عليها أو لا فيه اشكال من العمومات الدالة على حرمة المذكورات ومن العمومات الدالة على وجوب الامر بالمعروف والنهى عن المنكر المؤيدة بعموم قوله تعالى : « ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ » وبقوله تعالى : « وتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ والتَّقْوى » وبالاعتبار العقلي الدال على وجوب الامرين وبما دل على حرمة العقوق بناء على تفسيره بترك الاحسان وبما دل على رجحان برهما بناء على تفسيره بالاحسان ومع ذلك كله فهذه العمومات أكثر كتابا وسنة وفتوى فهي بالترجيح أولى وإن كان التعارض بينها وبين العمومات السابقة من قبيل تعارض العمومين من وجه كما لا يخفى الرابع هل يجوز الأمور المذكورة للتقية أو لا الأقرب الأول لان العمومات الدالة على لزوم التقية أولى بالترجيح لاعتضادها بعموم قوله تعالى : « ولا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » وبالعمومات الدالة على نفى الحرج والضرر والتعارض هنا أيضا من قبيل تعارض العمومين من وجه الخامس هل يجوز الأمور المذكورة إذا رضى بها الوالدين تحننا منهما ورأفة ورحمة عليهما أو لا يجوز مط فيه اشكال من الاطلاقات المانعة عنها ومن الأصل وامكان دعوى ان التبادر منها غير محل البحث ولزوم الحرج العظيم لو حرمت مط وكيف كان فالأحوط الترك وإن كان احتمال الجواز في غاية القوة السادس هل يجوز الأمور المذكورة لدفع الأذية والإهانة عن نفسه كما لو زجراه واهاناه وضرباه من غير استحقاق أو لا فيه اشكال من عموم الآية الشريفة المتقدمة وعموم قوله تعالى : « وصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً » عموم قوله تعالى : « واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ » وعموم أكثر الأخبار المتقدمة وقول الصادق ع في رواية أبى ولاد الحناط وان أضجراك فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ان ضرباك وقل لهما قولا كريما ان ضرباك فقل لهما غفر الله لكما فذلك منك قول كريم ومن عموم ما دل على نفى الحرج والتعارض بيته وبين العمومات السابقة من قبيل تعارض العمومين من وجه والترجيح مع هدا فالوجوه لا تخفى السابع يستفاد من ظواهر الآيات المتقدمة وجوب الاحسان إلى الوالدين وان يقول لهما قولا كريما وان يصاحبهما في الدنيا بالمعروف وان يخفض لهما جناح الذل من الرحمة ولم أجد لها معارضا يعتد به فيجب المصير إليها والمرجع في جميع ذلك إلى العرف وربما فسر الأول في خبر أبي ولاد بان يحسن صحبتهما وان لا يكلفهما شيئا مما يحتاجان إليه ان سألاه وإن كان مستغنين وفسر الثاني في مجمع البيان بان مخاطبهما بقول رقيق لطيف حسن جميل بعيد عن اللغو والقبيح الثامن يستفاد