ابن بطوطة
670
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
وأحدهم جالي وقد دخل كل واحد منهم في جوف صورة مصنوعة من الريش تشبه الشقشاق وجعل لها رأس من الخشب له منقار أحمر كأنه رأس الشقشاق ويقفون بين يدي السلطان بتلك الهيئة المضحكة فينشدون أشعارهم . وذكر لي أن شعرهم نوع من الوعظ يقولون فيه للسلطان : إن هذا البنبي الذي عليه جلس فوقه من الملوك فلان وكان من حسن أفعاله كذا وفلان كان من أفعاله كذا فافعل أنت من الخير ما يذكر بعدك . ثم يصعد كبير الشعراء على درج البنبي ويضع رأسه في حجر السلطان ثم يصعد إلى أعلى البنبي فيضع رأسه على كتف السلطان الأيمن ثم على كتفه الأيسر وهو يتكلم بلسانهم ثم ينزل . وأخبرت أن هذا الفعل لم يزل قديماً عندهم قبل الإسلام فاستمروا عليه . حكاية الجرادة المتكلمة وحضرت مجلس السلطان في بعض الأيام فأتى أحد فقهائهم وكان قدم من بلاد بعيدة وقام بين يدي السلطان وتكلم كلاماً كثيراً فقام القاضي فصدقه ثم صدقهما السلطان فوضع كل واحد منهم عمامته عن رأسه وترب بين يديه وكان إلى جانبي رجل من البيضان فقال : أتعرف ما قالوه فقلت : لا أعرف فقال : إن الفقيه قد أخبر أن الجراد وقع ببلادهم فخرج أحد صلحائهم إلى موضع الجراد فهاله أمره فقال : هذا جراد كثير . فأجابته جرادة منها وقالت إن البلاد التي يكثر فيها الظلم يبعثنا الله لفساد زرعها . فصدقه القاضي والسلطان وقال عند ذلك للأمراء : إني برئ من الظلم ومن ظلم منكم عاقبته ومن علم بظالم ولم يعلمني له فذنوب ذلك الظالم في عنقه والله حسيبه وسائله . ولما قال هذا الكلام وضع الفرارية عمائمهم عن رؤوسهم وتبرأوا من الظلم . حكاية عن عدل السلطان وحضرت الجمعة يوماً فقام أحد التجار من طلبة مسوفة ويسمى بأبي حفص فقال : يا أهل المسجد أشهدكم أن منسى سليمان في دعوتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قال ذلك خرج إليه جماعة رجال من مقصورة السلطان فقالوا له : من ظلمك من أخذ لك شيئاً فقال : منشاجو ايوالاتن يعني