ابن بطوطة

192

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وبعضهم قد جز ناصيته وانقسموا فرقتين فرقة بأعلى المشور وفرقة بأسفله وتزحف كل فرقة إلى الأخرى وهم . بأيديهم على صدورهم قائلين خوند كارما ومعنا مولاي أنا فرأيت من ذلك أمراً هائلاً ومنظراً فظيعاً لم أعهد مثله . مأتم ابن السلطان ومن غريب ما اتفق لي يومئذ أني دخلت فرأيت القضاة والخطباء والشرفاء قد استندوا إلى حيطان المشور وهو غاص بهم من جميع جهاته وهم بين باكٍ ومتباكٍ ومطرق وقد لبسوا فوق ثيابهم ثياباً خامة من غليظ القطن غير محكمة الخياطة بطائنها إلى أعلى ووجوهها مما يلي أجسادهم وعلى رأس كل واحد منهم خرقة أو مئزر أسود وهكذا يكون فعلهم إلى تمام فلما رأيت جهات المشور غاصة بالناس نظرت يميناً وشمالاً أرتاد موضعاً لجلوسي فرأيت هنالك سقيفة مرتفعة من الأرض بمقدار شبر وفي إحدى زواياها رجل منفرد عن الناس قاعد عليه ثوب صوف مثل اللبد يلبسه بتلك البلاد ضعفاء الناس أيام المطر والثلج وفي الأسفار فتقدمت منه وانقطع عني أصحابي لما رأوا إقدامي نحوه وعجبوا مني وأنا لا علم لي بشيء من حاله فصعدت السقيفة وسلمت على الرجل فرد علي السلام وارتفع عن الأرض كأنه يريد القيام وهم يسمون ذلك نصف القيام وقعدت في الركن المقابل له ثم نظرت إلى الناس وقد رموني بأبصارهم جميعاً فعجبت منهم ورأيت الفقهاء والمشايخ والأشراف مستندين إلى الحائط تحت السقيفة وأشار إلي أحد القضاة أن أنحط إلى جانبه فلم أفعل وحينئذ استشعرت أنه السلطان فلما كان بعد ساعة أتى شيخ المشايخ نور الدين الكرماني الذي ذكرناه