محمد بن القاسم ابن الأنباري
548
الزاهر في معاني كلمات الناس
ومنه الحديث الآخر : « أن رجلا أمسك رجلا ، وقتله آخر ، فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم اقتلوا القاتل ، واصبروا الصابر » ( 1 ) . فمعناه : واحبسوه حتى يموت ، كما حبس الذي مات قبله . ومن ذلك الصوم ، سمي صبرا ، لأنه حبس للنفس عن المطاعم ، والنكاح ، والملتذ من الشهوات ، قال اللَّه تبارك وتعالى : * ( واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ) * ( 2 ) . وأخبرنا عبد اللَّه بن محمد قال : حدثنا يوسف القطَّان قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح ، أو غيره ، عن مجاهد في قوله : * ( واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ ) * ، قال : الصبر : الصوم ، ويقال : صبرت نفسي على الأمر ، إذا حبستها عليه ، قال الشاعر ( 3 ) : فصبرت عارفة لذلك حرّة * ترسو إذا نفس الجبان تطلَّع ويقال : نفس صابرة وصبور ، وعارفة وعروف . بهذا المعنى أنشدنا أبو العباس : إذا كنت في قوم طوال فضلتهم * بعارفة حتى يقال طويل ( 4 ) أراد : بنفس عارفة ، أي : صابرة . وقال الآخر ( 5 ) : نفس عروف إذا ما أكرمت ألفت * وإن تر الهون لا تألف على الهون أراد بالعروف : الصابرة . ويقال : بهيمة مصبورة ، يراد بها محبوسة . وقد استحلف القاضي فلانا يمينا صبرا ، أي : حبسه ، وألزمه اليمين ، فإن حلف من غير أن يحبس ويلزم اليمين لم يقل : حلف صبرا . والبهيمة المجثّمة : هي التي تحبس وتجثم من الأرانب ، وغيرها من الطير مما يجثم ، والجثوم : بمنزلة البروك للإبل ، يقال : قد جثّمته فجثم ، أي : طالبته بالبروك وأردته منه حتى برك .
--> ( 1 ) المصدر السابق . ( 2 ) سورة البقرة : آية 45 . ( 3 ) عنترة ديوانه 264 . ( 4 ) لرجل من الفزاريين في شرح ديوان الحماسة ( م ) 1182 وفيه : في القوم الطوال أصبتهم . ( 5 ) لم أقف عليه .