محمد بن القاسم ابن الأنباري

210

الزاهر في معاني كلمات الناس

وقال طرفة ( 1 ) يذكر امرأة : إن تنوّله فقد تمنعه * وتريه النجم يجري بالظَّهر وكان البصريون يروون هذا البيت : الشمس طالعة ليست بكاسفة * تبكي عليك نجوم الليل والقمرا ( 2 ) ويقولون : نصب نجوم الليل والقمر بكاسفة . وقالوا : المعنى : الشمس طالعة ، وليست بكاسفة نجوم الليل والقمر ، لحزنها وبكائها عليك . وكانت العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن ، عالي المكان ، كثير الصنائع قالوا : أظلم النهار لموته ، وكسفت الشمس لفقده ، وبكته الرياح والبرق . قال الشاعر ( 3 ) يرثي رجلا : الريح تبكي شجوه * والبرق يلمع في غمامه قال اللَّه عز وجل : * ( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأَرْضُ ) * ( 4 ) ، ففيه ثلاثة أقوال : أحدهن : أن اللَّه عز وجل لما أهلك فرعون وقومه ، وأورث منازلهم وديارهم وجنّاتهم غيرهم ، لم يبك عليهم باك ، ولم يجزع عليهم جازع ، ولم يوجد لهم فقد . والقول الثاني : أن يكون المعنى : فما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض ، فحذف الأهل ، وأقام السماء والأرض مقامهم ، كما قال * ( وسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) * ( 5 ) ، على معنى : أهل القرية . وقال ابن عباس : معنى قوله عز وجل : * ( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأَرْضُ ) * : إن المؤمن له باب في السماء يصعد منه عمله ، وينزل منه رزقه ، فإذا مات بكى عليه بابه في السماء وأثره في الأرض ومصلَّاه . والكافر إذا مات لم يبك عليه باب في السماء ولا أثر في الأرض . وكان الفراء يروي البيت : الشمس كاسفة ليست بطالعة * تبكي عليك نجوم الليل والقمرا وقال : نصب نجوم الليل والقمر على الوقت ، كأنه قال : تبكي عليك أبدا أي ما دامت نجوم الليل والقمر ، كما يقولون : لأبكينك الشهر والدهر ، أي ما دام الشهر

--> ( 1 ) ديوانه 50 . ( 2 ) لجرير ، ديوانه 736 . وينظر في توجيه إعرابه : الإفصاح للفارقي 192 . ( 3 ) يزيد بن مفرغ ، شعره : 143 ( سلوم ) 208 ( أبو صالح ) . ( 4 ) سورة الدخان : آية 29 . ( 5 ) سورة يوسف : آية 82 .