أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني

534

الأزمنة والأمكنة

وقول آخر : فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت * فطعنة لاغس ولا بمغّمر لأنّ ظاهر هذا الكلام يقتضي أنّهم كانوا إذا شكوا سلامة رميهم رقوا نبالهم برقية ، ونفثوا فيها نفث السّواحر في عقد ما يبرمونه من سحرها . وهذا كما اعتقد في النّيران وهي كثيرة ينسب بعضهم إلى العجم ، وبعضهم إلى العرب وفي أثنائها نيران الدّيانات حتى عبدت . ويذكر هنا ما يأخذ كتابنا هذا منه بحظ ، فقد استقصى الجاحظ القول فيها ، وذكر أحوال المعظمين لها والمستهينين بها وقد قال اللَّه تعالى في ذكر الثّقلين : * ( يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) * [ سورة الرّحمن ، الآية : 35 - 36 ] وليس يريد أنّ التعذيب بالنّار نعمة يوم القيامة ، ولكنّه أراد التّحذير بخلقه لها والوعيد بها غير إدخال النّاس فيها ، وإحراقهم بها ، وفي ذلك نعمة من اللَّه مجدّدة ، إذ كان حال من حذر مخالفا بحال من أهمل وترك وما يختاره . وقال الشاعر يد الخصب شعرا : في حيث خالطت الخزامي عرفجا * يأتيك قابس أهله لم يقبس ومن أمثالهم : في كلّ شجر نار ، واستمجد المرخ والعفار . وفي الجاهلية الأولى إذا تتابعت عليهم الأزمات ، وركد البلاء ، واشتدّ الجدب ، واحتالوا إلى استمطار جمعوا ما قدروا عليه من البقر ، ثم عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها السّلع والعشر ثم صعدوا بها في جبل وعر وأشعلوا فيها النّار وضجّوا بالدعاء والتّضرع ، وكانوا يرون أنّ ذلك من أسباب السّقيا . لذلك قال أمية بن أبي الصّلت : سنة أزمة تخيل بالنّاس * ترى للعضاة فيها صريرا سلع ما ومثله عشر ما * عايل ما وعالت البيقورا ويقال : بقر وباقر وبيقر وبيقور وبقير . وقال بعضهم : تقرّبوا بذلك ، كما تفرّد بعضهم بقربان تأكله النّار فإنهم كانوا يأتون بالقرابين ويوقدون نارا عظيمة وتدنى تلك القرابين في لخلف منها وهم يطوفون حولها ويتضرّعون ، فإذا أكلت النّار وقد أشعلوها تلك القرابين عدّوا ذلك قبولا لها ، وإسعافا بالمطالب منها . وأنشد القحذمي للورل الطَّائي في لاستمطار : لا درّ درّ رجال خاب سعيهم * يستمطرون لدى الأزمات بالعشر أجاعل أنت بيقورا مسلعة * ذريعة لك بين اللَّه والمطر وعلى ذكر النّار فللعرب منها ما يذكر في الرّموز . ومنها ما يجعل علامة لحوادث كحذر . ومنها ما يضرب بذكره مثل ، أو يعقد به ديانة ، أو يقام به تشبيه وسنّة ، والجاحظ قد