أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني
418
الأزمنة والأمكنة
الغرد ، وأصله الغراد والخص ، وفي الكلام تقديم وتأخير كأنّه قال : وقد غرد عيّوق الثّريا فغاب . وكذلك قول أبي ذؤيب شعرا : فوردن والعيّوق مقعد رأى * الضّربا خلف النّجم لا تتبلَّع ( لأنّ العيّوق والنّجم ) يكونان كما وصف ، إذا توسّطا السماء وتوسطهما السّماء آخر اللَّيل إنّما يكون في حمارّة القيظ . وقوله : ( مقعد رأى الضّربا ) في حمارة القيظ . وقوله : ( مقعد رأى الضّربا ) في إعرابه كلام وقد بيّنته فيما شرحته من شعر هذيل ومثله قول الآخر . كمقاعد الرّقباء للضّرباء أيديهم نواهد . قوله : لا تتبلع : أي لا تتعدم ، وذلك أنّ النّجوم إذا توسّطت السماء خيّل إليك أنها تتحير ، فلا تبرح لذلك قال : والشّمس حيرى لها في الجوّ تدويم ، وليس قول امرئ القيس : فيا لك من ليل كأنّ نجومه * بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل من هذا إنما يريد أن يصف اللَّيل بالطَّول فكأنّ كواكبه لا تسير ، والأوّل يريد ركود النّجوم إذا توسّطت السّماء خاصة ، وقد أحسن لبيد في قوله وهو يصف الكواكب : عشت دهرا وما يدوم على * الأيام إلا برمرم وتعار والنّجوم التي تتابع باللَّيل * وفيها ذات اليمين ازورار دائبا مورها ويصرفها الغور * كما يصرف الهجان الدوار وإنّما ( ازورارها ذات اليمين ) عطفا إلى القطب لأنّها جميعا تدور على القطب الشّمالي مرتفع فإذا توسّط كوكب ثم انصبّ فقدرت له في نفسك مغربا على أم قاصد عدل عن السّمت الذي توهّمته . ( وتزاور ذات اليمين ) حتى يغيب فوق الذي قدّرته حتّى ربّما كان البعد في ذلك بعيدا وعلى هذا حال جميع الكواكب في مدارها ، ولا زورارها إلى القطب . قال الشّاعر يمدح رجلا : مالت إليه طلاها واستطيف به * كما يطيف نجوم اللَّيل بالقطب ولعلَّة ذلك قال بشر : وعاندت الثّريا بعد هدء * معاندة لها العيّوق جار لمّا تدانيا في رأي العين حين توسّطا السّماء وقد كان أحدهما بعيدا من صاحبه في المطلع جعل ذلك تركا من الثّريا لطريقها ، وعدولا إلى العيّوق وليس ذلك بمعاندة ، ولكن لما بينّته من ازورار النّجوم كلَّها في مدارها إلى القطب ، إذ كانت عليه تدور ، لأنّ الكواكب إذا كانت في آفاق السّماء كانت أعظم في المنظر ، وكان البعد الذي بينها أوسع في الرأي ،