أحمد بن محمد بن الحسن المرزوقي الأصفهاني

163

الأزمنة والأمكنة

أي الرّجوع . وروى ابن الأعرابي أنه قلّ ما تهبّ الشّمال إلا وإذا جاء اللَّيل ضعفت أو سقطت ولذلك قالوا في أحاديثهم : إنّ الجنوب قالت للشّمال إنّ لي عليك فضلا أنا أسري وأنت لا تسرين ، فقالت الشّمال : إنّ الحرة لا تسري باللَّيل وهذا كما ترى . وقال أبو زيد : إنّ أكثر هبوب الشّمال باللَّيل ، وأنه قلَّما ينتفج من الرّياح باللَّيل إلا الشّمال ، وربما انتفجت على النّاس بعد نومهم ، فتكاد تهلكهم بالقرّ من آخر ليلهم وقد كان أوّل ليلهم دفيئا ، وهذا الخلاف فيما أتين لاختلاف البقاع ، وتفاوت الأزمان واللَّه أعلم . وأنشد الأصمعي يصف النّساء : تصّيفن حتّى أوجف البارح السّفا * ونشّت جراميد اللَّوا والمصانع فالمصانع وإيجاف البارح السّفا : مرّ به على وجه الأرض ، وهو من الوجيف وهو السّرعة ، والسّفا ما تساقط من يبيس البقل ، وقال أيضا : ألفن اللَّوى حتّى إذا البروق ارتمى * به بارح راح من الصّيف شامس والبروق من دفئ النّبت ، وفي المثل : أشكر من البروق ، لأنّه ينبت بالغيم والرّاح الشّديد من الرّيح ، ويشبه هذا قوله : أقمن على بوارح كلّ نجم * وطيّرت العواصف بالتّمام والبارح مذكَّر ، وإن كانت الرّيح مؤنّثة . قال أبو حنيفة : قد حكى بعضهم أنّ العرب كانت تقول لا بدّ لنوء كل كوكب من أن يكون فيه مطر أو ريح أو غيم أو حر - أو برد - ثم كانوا ينسبون ما كان فيه إليه ، والأعمّ الأشهر أنّ الأمطار مقصور ذكرها على الأنواء خاصة . فما يكاد يسمع بشيء منها منسوبا إلى طلوع ولا يحفظ ، وأما البوارح فأكثر الأمر فيها أن ينسب إلى طلوع نجوم الحرّ خاصة لأنها رياح الصّيف ، وربّما نسب شيء منها إلى النّوء وذلك قليل . وقال ذو الرمة : حدا بارح الجوزاء أعراف موره * بها وعجاج العقرب المتناوح الأعراف : الأوائل ، المور : الغبار وأراد بعجاج العقرب : عجاج بارح العقرب كقوله : شفّها هبوب الثّريا والتزام التنائف ، أراد هبوب بارح الثّريا فهذا ذكر البوارح .