ابن الجوزي
77
زاد المسير في علم التفسير
من ربه ) فرحمة بها ، وتاب عليه من معاصيه ( لنبذ بالعراء وهو مذموم ) وقد بينا معنى " العراء " في الصافات . ومعنى الآية : أنه نبذ غير مذموم لنعمة الله عليه بالتوبة والرحمة . وقال ابن جريج : نبذ بالعراء ، وهو أرض المحشر ، فالمعنى : أنه كان يبقى مكانه إلى يوم القيامة ( فاجتباه ربه ) أي : استخلصه واصطفاه ، وخلصه من الذم ( فجعله من الصالحين ) فرد عليه الوحي ، وشفعه في قومه ونفسه قوله ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك [ بأبصارهم ] ) قرأ الأكثرون بضم الياء من أزلقته ، وقرأ أهل المدينة ، وأبان بفتحها من زلقته أزلقه ، وهما لغتان مشهورتان في العرب . قال الزجاج : يقال : زلق الرجل رأسه أزلقه : إذا حلقه . وفي معنى الآية للمفسرين قولان : أحدهما : أن الكفار قصدوا [ أن يعيبوا ] رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالعين ، وكان فيهم رجل يمكث اليومين والثلاثة لا يأكل شيئا ، ثم يرفع جانب خبائه ، فتمر به النعم ، فيقول : لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه ، فما تذهب إلا قليلا حتى يسقط منها عدة ، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ بالعين ] ، فعصم الله نبيه ، وأنزل هذه الآية ، وهذا قول الكلبي ، وتابعه قوم من المفسرين تلقفوا ذلك من تفسيره ، منهم الفراء . والثاني : أنهم كانوا ينظرون إليه بالعداوة نظرا شديدا يكاد يزلقه من شدته ، أي : يلقيه إلى الأرض . وهذا مستعمل في كلام العرب . يقول القائل : نظر إلي فلان نظرا كاد يصرعني . وأنشدوا : يتقارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزيل مواطئ الأقدام أي : ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة يكاد يزيل الأقدام ، وإلى هذا ذهب المحققون ، منهم ابن قتيبة ، والزجاج . ويدل على صحته أن الله تعالى قرن هذا النظر بسماع القرآن ، وهو قوله تعالى : ( لما سمعوا الذكر ) والقوم كانوا يكرهون ذلك أشد الكراهة ، فيحدون النظر إليه بالبغضاء . وإصابة العين ، إنما تكون مع الإعجاب والاستحسان ، لا مع البغض فلا يظن بالكلبي أنه فهم معنى الآية . قوله ( وما هو ) يعني : القرآن ( إلا ذكر ) أي : موعظة .