ابن الجوزي
25
زاد المسير في علم التفسير
وهل يجوز أن يخطب واحد ، ويصلي آخر ، فيه عن أحمد روايتان . قوله [ عز وجل ] : ( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) أي : إن كان لكم علم بالأصلح ( فإذا قضيت الصلاة ) أي : فرغتم منها ( فانتشروا في الأرض ) هذا أمر إباحة ( وابتغوا من فضل الله ) إباحة لطلب الرزق بالتجارة بعد المنع منها بقوله تعالى : ( وذروا البيع ) وقال الحسن ، وسعيد بن جبير : هو طلب العلم . وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ( 11 ) قوله [ عز وجل ] : ( وإذا رأوا تجارة ) سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم الجمعة ، إذ أقبلت عير قد قدمت ، فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية ، أخرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث جابر بن عبد الله ، قاله الحسن : وذلك أنهم أصابهم جوع ، وغلاء سعر ، فلما سمعوا بها خرجوا إليها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو اتبع آخرهم أولهم التهب عليهم الوادي نارا " . قال المفسرون : كان الذي قدم بالتجارة دحية بن خليفة الكلبي " قال مقاتل : وذلك قبل أن يسلم . قالوا : قدم بها من الشام ، وضرب لها طبل يؤذن الناس بقدومها . وهذه كانت عادتهم إذا قدمت عير . قال جابر بن عبد الله : كانت التجارة طعاما . وقال أبو مالك : كانت زيتا . والمراد باللهو : ضرب الطبل . و ( انفضوا ) بمعنى : تفرقوا عنك ، فذهبوا إليها . والضمير للتجارة . وإنما خصت برد الضمير إليها ، لأنها كانت أهم إليهم ، هذا قول الفراء ، والمبرد . وقال الزجاج : المعنى : وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، أو لهوا انفضوا إليه ، فحذف خبر أحدهما ، لأن الخبر الثاني يدل على الخبر المحذوف . وقرأ ابن مسعود ، وابن أبي عبلة " انفضوا إليهما " على التثنية . وعن ابن مسعود ، وابن أبي عبلة " انفضوا إليه " على ضمير مذكر ( وتركوك قائما ) وهذا القيام كان في الخطبة ( قل ما عند الله ) من ثواب الصلاة والثبات مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ( خير من اللهو ومن التجارة خير الرازقين ) لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده ، ومن يكفر به ويجحده ، فهو يعطي من سأل ، ويبتدئ من لا يسأل ، وغيره إنما يرزق من يرجو منفعته ، ويقبل على خدمته .