ابن الجوزي
84
زاد المسير في علم التفسير
استجابوا لربهم " إلى قوله : " ينفقون " وهم الأنصار : ثم ذكر الصنف الثالث فقال : " والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون " من المشركين : والثاني : أنه بغي المسلمين على المسلمين خاصة . والثالث : أنه عام في جميع البغاة ، سواء كانوا مسلمين أو كافرين . فصل واختلف في هذه الآية علماء الناسخ والمنسوخ ، فذهب بعض القائلين بأنها في المشركين إلى أنها منسوخة بآية السيف ، فكأنهم يشيرون إلى أنها أثبتت الانتصار بعد بغي المشركين ، فلما جاز لنا أن نبدأهم بالقتال ، دل على أنها منسوخة . وللقائلين بأنها في المسلمين قولان : أحدهما : أنها منسوخة بقوله : ( ولمن صبر وغفر ) فكأنها نبهت على مدح المنتصر ، ثم أعلمنا أن الصبر والغفران أمدح ، فبان وجه النسخ . والثاني : أنها محكمة ، لأن الصبر والغفران فضيلة ، والانتصار مباح ، فعلى هذا تكون محكمة ، وهو الأصح . فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية - وظاهرها مدح المنتصر - وبين آيات الحث على العفو ؟ فعنه ثلاثة أجوبة . أحدها أنه انتصار المسلمين من الكافرين ، وتلك رتبة الجهاد كما ذكرنا عن عطاء . والثاني : أن المنتصر لم يخرج عن فعل أبيح له ، وإن كان العفو أفضل ، ومن لم يخرج من الشرع بفعله ، حسن مدحه . قال ابن زيد : جعل الله المؤمنين صنفين ! صنف يعفو ، فبدأ بذكره ، وصنف ينتصر . والثالث : أنه إذا بغي على المؤمن فاسق ، فلأن له اجتراء الفساق عليه ، وليس للمؤمن أن يذل نفسه ، فينبغي له أن يكسر شوكة العصاة لتكون العزة لأهل الدين . قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق ، فإذا قدروا عفوا ، وقال القاضي أبو يعلى : هذه الآية محمولة على من تعدى وأصر على ذلك ، وآيات العفو محمولة على أن يكون الجاني نادما . قوله تعالى : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) قال مجاهد والسدي : هو جواب القبيح ، إذا قال له كلمة إجابة بمثلها من غير أن يعتدي . وقال مقاتل : هذا في القصاص في الجراحات والدماء .