ابن الجوزي
343
زاد المسير في علم التفسير
والثاني : أنه مثل ضربه الله تعالى لشخص معين ، وعلى هذا جمهور المفسرين ، وهذا شرح قصته . أهل التفسير أن عابدا من بني إسرائيل كان يقال له : برصيصا تعبد في صومعة له أربعين سنة لا يقدر عليه الشيطان ، فجمع إبليس يوما مردة الشياطين ، فقال : ألا أحد منكم يكفيني برصيصا ، فقال الأبيض ، [ وهو ] صاحب الأنبياء : أنا أكفيكه ، فانطلق على صفة الرهبان . فأتى صومعته ، فناداه فلم يجبه ، وكان لا ينفتل عن صلاته إلا في كل عشرة أيام ، ولا يفطر إلا في كل عشرة أيام ، فلما رأى أنه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته ، فلما انفتل برصيصا ، اطلع فرآه منتصبا يصلي على هيئة حسنة ، فناداه : ما حاجتك ؟ فقال : إني أحببت أن أكون معك ، أقتبس من عملك ، وأتأدب بأدبك ، ونجتمع على العبادة ، فقال برصيصا : إني لفي شغل عنك ، ثم أقبل على صلاته ، وأقبل الأبيض يصلي ، فلم يقبل إليه برصيصا أربعين يوما ، ثم انفتل ، فرآه يصلي ، فلما رأى شدة اجتهاده قال : ما حاجتك ؟ فأعاد عليه القول ، فأذن له ، فصعد إليه ، فأقام معه حولا لا يفطر إلا كل أربعين يوما ، ولا ينفتل من صلاته إلا في كل أربعين يوما ، وربما زاد على ذلك ، فلما رأى برصيصا اجتهاده ، أعجبه شأنه وتقاصرت إليه نفسه ، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا : إني منطلق عنك ، فإن لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشد اجتهادا مما أرى ، وكان يبلغنا عنك غير الذي أرى ، فاشتد ذلك على برصيصا ، وكره مفارقته ، فلما ودعه قال له الأبيض : إن عندي دعوات أعلمكها ، يشفي الله بها السقيم ، ويعافي بها المبتلي ، فقال برصيصا : إني أكره هذه المنزلة ، لأن لي في نفسي شغلا ، فأخاف أن يعلم الناس بهذا ، فيشغلوني عن العبادة ، فلم يزل به حتى علمه إياها ، ثم انطلق إلى إبليس فقال : قد والله أهلكت الرجل ، فانطلق الأبيض ، فتعرض لرجل فخنقه ، ثم جاءه في صورة رجل متطبب ،