ابن الجوزي
338
زاد المسير في علم التفسير
تقديره : وآثروا الإيمان ، وإسلام المهاجرين قبل الأنصار ، وسكنى الأنصار المدينة قبل المهاجرين . وقيل : الكلام [ على ظاهره ] ، والمعنى : تبوؤا الدار والإيمان قبل الهجرة ( يحبون من هاجر إليهم ) وذلك أنهم شاركوهم في منازلهم ، وأموالهم ( ولا يجدون في صدورهم حاجة ) أي : حسدا وغيظا مما أوتي المهاجرون . وفيما أوتوه قولان : أحدهما : مال الفيء ، قاله الحسن . وقد ذكرنا آنفا أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ، ولم يعط من الأنصار غير ثلاثة نفر . والثاني : الفضل والتقدم ، ذكره الماوردي . قوله [ عز وجل ] : ( ويؤثرون [ على أنفسهم ] ) يعني الأنصار يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بأموالهم ومنازلهم ( ولو كان بهم خصاصة ) أي فقر وحاجة ، فبين الله عز وجل أن إيثارهم لم يكن عن غنى . وفي سبب نزول هذا الكلام قولان : أحدهما : أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أصابه الجهد ، فقال : يا رسول الله : إني جائع فأطعمني ، فبعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى أزواجه : هل عندكن شيء ؟ فكلهن قلن : والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء ، فقال : ما عند رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ما يطعمك هذه الليلة . ثم قال : " من يضيف هذا هذه الليلة رحمه الله ؟ " فقام رجل فقال : أنا يا رسول الله ، فأتى به منزله ، فقال لأهله : هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأكرميه ولا تدخري عنه شيئا ، فقالت : ما عندنا إلا قوت الصبية ، فقال : قومي فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئا ، ثم أصبحي سراجك ، فإذا أخذ الضيف ليأكل ، فقومي كأنك تصلحين السراج ، فأطفئيه ، وتعالي نمضغ ألسنتنا لأجل ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع ، ففعلت ذلك ، فظن الضيف أنهما يأكلان معه ، فشبع هو ، وباتا طاويين ، فلما أصبحا غدوا إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فلما نظر إليهما تبسم ، ثم قال : ضحك الله الليلة ، أو عجب من فعالكما ، فأنزل الله تعالى : ( ويؤثرون على أنفسهم ) الآية . خرجه البخاري ومسلم