ابن الجوزي
323
زاد المسير في علم التفسير
ليحفظوا عنه ، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم جمعة جالس في صفة ضيقة في المسجد ، جاء نفر من أهل بدر فيهم ثابت بن قيس بن شماس ، فسلموا وانتظروا أن يوسعوا لهم ، فأوسعوا لبعضهم ، وبقي بعضهم ، فشق ذلك على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقال : قم يا فلان ، قم يا فلان ، حتى أقام من المجلس على عدة من هو قائم من أهل السابقة ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه من أقامهم الكراهة ، وتكلم المنافقون في ذلك وقالوا : والله ما عدل ، فنزلت هذه الآية . وقال قتادة : كانوا يتنافسون في مجلس رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : فإذا أقبل مقبل ضنوا بمجلسهم ، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض . قال المفسرون : ومعنى " تفسحوا " توسعوا وذلك أنهم كانوا يجلسون متصافين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجد غيرهم مجلسا عنده ، فأمرهم أن يوسعوا لغيرهم ليتساوى الناس في الحظ منه ، ويظهر فضيلة المقربين إليه من أهل بدر وغيرهم . وفي المراد " بالمجلس " ها هنا ثلاثة أقوال . أحدها : أنه مجلس الحرب ، ومقاعد القتال ، كان الرجل يأتي القوم في الصف ، فيقول لهم : توسعوا ، فيأبون عليه لحرصهم على القتال ، وهذا قول ابن عباس ، والحسن ، وأبي العالية ، والقرظي . والثاني : أنه مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله مجاهد . وقال قتادة : كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن حوله خاصة . والثالث : مجالس الذكر كلها ، روي عن قتادة أيضا . وقرأ علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأبو رزين ، وأبو عبد الرحمن ، ومجاهد ، والحسن ، وعكرمة ، وقتادة ، وابن أبي عبلة ، والأعمش : " تفسحوا في المجالس " بألف على الجمع . قوله [ عز وجل ] : ( يفسح الله لكم ) أي : يوسع الله لكم الجنة ، والمجالس فيها . ( وإذا قيل انشزوا ) [ قرأ نافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم " انشزوا ] فانشزوا " برفع الشين فيهما . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : بكسر الشين فيهما . ومعنى " انشزوا " قوموا . قال الفراء : وهما لغتان . وفي المراد بهذا القيام خمسة أقوال . أحدها : أنه القيام إلى الصلاة ، وكان رجال يتثاقلون عنها ، فقيل لهم : إذا نودي للصلاة