ابن الجوزي

245

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : ( كذبت قبلهم ) أي : قبل أهل مكة ( قوم نوح فكذبوا عبدنا ) نوحا ( وقالوا مجنون وازدجر ) قال أبو عبيدة : افتعل من زجر . قال المفسرون : زجروه عن مقالته ( فدعا ) عليهم نوح ( ربه ) ب‍ ( أني مغلوب فانتصر ) أي : فانتقم لي ممن كذبني . قال الزجاج : وقرأ عيسى بن عمر النحوي : " إني " بكسر الألف ، وفسرها سيبويه فقال : هذا على إرادة القول ، فالمعنى : قال : إني مغلوب ، ومن فتح ، وهو الوجه ، فالمعنى : دعا ربه ب‍ ( أني مغلوب ) . قوله تعالى : ( ففتحنا أبواب السماء ) قرأ ابن عامر " ففتحنا " بالتشديد . فأما المنهمر ، فقال ابن قتيبة : هو الكثير السريع الانصباب ، ومنه يقال : همر الرجل : إذا أكثر من الكلام وأسرع . وروى علي رضي الله عنه أن أبواب السماء فتحت بالماء من المجرة ، وهي شرج السماء . وعلى ما ذكرنا من القصة في هود أن المطر جاءهم ، يكون هو المراد بقوله : ( ففتحنا أبواب السماء ) قال المفسرون : جاءهم الماء من فوقهم أربعين يوما ، وفجرت الأرض من تحتهم عيونا أربعين يوما . ( فالتقى الماء ) وقرأ أبي بن كعب ، وأبو رجاء ، وعاصم الجحدري : " الماءان " بهمزة وألف ونون مكسورة . وقرأ ابن مسعود : " المايان " بياء وألف ونون مكسورة من غير همز . وقرأ الحسن ، وأبو عمران : " الماوان " بواو وألف وكسر النون . قال الزجاج : يعني بالماء : ماء السماء وماء الأرض ، ويجوز الماءان ، لأن اسم الماء اسم يجمع ماء الأرض وماء السماء . قوله تعالى : ( على أمر قد قدر ) فيه قولان : أحدهما : كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض ، قاله مقاتل . والثاني : قد قدر في اللوح المحفوظ ، قاله الزجاج . فيكون المعنى : على أمر قد قضي عليهم ، وهو الغرق . قوله تعالى : ( وحملناه ) يعني نوحا ( على ذات ألواح ودسر ) قال الزجاج : أي : على سفينة ذات ألواح . قال المفسرون : ألواحها : خشباتها العريضة التي منها جمعت . وفي الدسر أربعة أقوال : أحدها : أنها المسامير ، رواه الوالبي عن ابن عباس ، وبه قال قتادة ، والقرظي ، وابن زيد . وقال الزجاج : الدسر : المسامير والشرط التي تشد بها الألواح ، وكل شيء نحو السمر أو إدخال شيء في شيء بقوة وشدة قهر فهو دسر ، يقال : دسرت المسمار أدسره وأدسره . والدسر : واحدها دسار ، نحو حمار ، وحمر .