ابن الجوزي
206
زاد المسير في علم التفسير
يقولون : يا محمد متى يوم الجزاء ؟ ! تكذيبا منهم واستهزاءا . ثم أخبر عن ذلك اليوم ، فقال : ( يوم هم على النار ) قال الزجاج : " اليوم " منصوب على معنى : يقع الجزاء يوم هم على النار ( يفتنون ) أي : يحرقون ويعذبون ، ومن ذلك يقال للحجارة السود التي كأنها قد أحرقت بالنار : الفتين . قوله تعالى : ( ذوقوا ) المعنى : يقال لهم : ذوقوا ( فتنتكم ) وفيها قولان : أحدهما : تكذيبكم ، قاله ابن عباس . والثاني : حريقكم ، قاله مجاهد . قال أبو عبيدة : ها هنا تم الكلام ، ثم ائتنف ، فقال : ( هذا الذي كنتم به تستعجلون ) قال المفسرون : يعني الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا استهزاء . ثم ذكر ما وعد الله لأهل الجنة فقال : ( إن المتقين في جنات وعيون ) وقد سبق شرح هذا . قوله تعالى : ( آخذين ) قال الزجاج : هو منصوب على الحال ، فالمعنى : في جنات وعيون في حال أخذ ( ما آتاهم ربهم ) قال المفسرون : أي ما أعطاهم الله من الكرامة ( إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ) في أعمالهم . وفي الآية وجه آخر : " آخذين ما آتاهم ربهم " أي : عاملين بما أمرهم به من الفرائض " إنهم كانوا قبل " أن تفرض الفرائض عليهم ، " محسنين " أي : مطيعين ، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية مسلم البطين . ثم ذكر إحسانهم فقال : ( كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ) والهجوع : النوم بالليل دون النهار . وفي " ما " قولان : أحدهما : النفي . ثم في المعنى قولان : أحدهما : كانوا يسهرون قليلا من الليل . قال أنس ابن مالك ، وأبو العالية : هو ما بين المغرب والعشاء . والثاني : كانوا ما ينامون قليلا من الليل . واختار قوم الوقف على قوله : " قليلا " على معنى : كانوا من الناس قليلا ، ثم ابتدأ فقال : " من الليل ما يهجعون " على معنى نفي النوم عنهم البتة ، وهذا مذهب الضحاك ، ومقاتل . والقول الثاني : أن " ما " بمعنى الذي ، فالمعنى : كانوا قليلا من الليل الذي يهجعونه ، وهذا مذهب الحسن ، والأحنف بن قيس ، والزهري . وعلى هذا يحتمل أن تكون " ما " زائدة . قوله تعالى : ( وبالأسحار هم يستغفرون ) وقد شرحناه .