ابن الجوزي
187
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا ) قال مجاهد : نزلت في أعراب بني أسد بن خزيمة . ووصف غيره حالهم ، فقال : قدموا المدينة في سنة مجدبة ، فأظهروا الإسلام ولم يكونوا مؤمنين ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا أسعارهم ، وكانوا يمنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : أتيناك بالأثقال والعيال ، ولم نقاتلك ، فنزلت فيهم هذه الآية وقال السدي : نزلت في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار ، وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة ( الفتح ) وكانوا يقولون : آمنا بالله ، ليأمنوا على أنفسهم ، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا ، فنزلت فيهم هذه الآية . وقال مقاتل : كانت منازلهم بين مكة والمدينة ، فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : آمنا ، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه . قوله تعالى : ( قل لم تؤمنوا ) أي : لم تصدقوا ( ولكن قولوا أسلمنا ) قال ابن قتيبة : أي : استسلمنا من خوف السيف ، وانقدنا . قال الزجاج : الإسلام : إظهار الخضوع والقبول لما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبذلك يحقن الدم ، فإن كان معه اعتقاد وتصديق بالقلب ، فذلك الإيمان ، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان بقوله : ( ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) : أي لم تصدقوا ، إنما أسلمتم تعوذا من القتل وقال مقاتل : " ولما " بمعنى " ولم " يدخل التصديق في قلوبكم . قوله تعالى : ( وإن تطيعوا الله ورسوله ) قال ابن عباس : إن تخلصوا الإيمان ( لا يألتكم ) قرأ أبو عمرو : " يألتكم " بألف وهمز ، وروي عنه بألف ساكنة مع ترك الهمزة : وقرأ الباقون : " يلتكم " بغير ألف ولا همز . فقراءة أبي عمرو من ألت يألت ، وقراءة الباقين من لات يليت ، قال الفراء : وهما لغتان ، قال الزجاج : معناهما واحد . والمعنى : لا ينقصكم . وقال أبو عبيدة : فيها ثلاث لغات : ألت يألت ، تقديرها : أفك يأفك ، وألات يليت ، تقديرها : أقال يقيل ، ولات يليت ، قال رؤبة : وليلة ذات ندى سريت * ولم يلتني عن سراها ليت قوله تعالى : ( من أعمالكم ) أي : من ثوابها . ثم نعت الصادقين في إيمانهم بالآية التي تلي هذه ، ومعنى : ( يرتابوا ) يشكوا . وإنما ذكر الجهاد ، لأن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فرضا في ذلك الوقت ، ( أولئك هم الصادقون ) في إيمانهم ، فلما نزلت هاتان الآيتان أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون ، فنزلت هذه الآية . قوله تعالى : ( قل أتعلمون الله بدينكم ) و " علم " بمعنى " أعلم " ولذلك دخلت الباء في قوله : " بدينكم " والمعنى : أتخبرون الله بالدين الذي أنتم عليه ؟ ! ، أي : هو عالم بذلك لا يحتاج إلى إخباركم ، وفيهم نزل قوله تعالى : ( يمنون عليك أن أسلموا ) قالوا : أسلمنا ولم نقاتلك ، والله تعالى أعلم .