ابن الجوزي
183
زاد المسير في علم التفسير
بلقبه ، فقيل له : يا رسول الله : إنهم يكرهون هذا ، فنزل قوله تعالى : ( ولا تنابزوا بالألقاب ) ، قاله أبو جبيرة بن الضحاك . والثاني : أن أبا ذر كان بينه وبين رجل منازعة ، فقال له الرجل : يا ابن اليهودية ، فنزلت : " ولا تنابزوا بالألقاب " ، قاله الحسن . والثالث : أن كعب بن مالك الأنصاري كان بينه وبين عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي كلام ، فقال له : يا أعرابي ، فقال له عبد الله : يا يهودي ، فنزلت فيهما ( ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب " قاله مقاتل . وأما التفسير ، فقوله تعالى : ( لا يسخر قوم من قوم ) أي : لا يستهزئ غني بفقير ، ولا مستور عليه ذنبه بمن لم يستر عليه ، ولا ذو حسب بلئيم الحسب ، وأشباه ذلك مما ينقصه به ، عسى أن يكون عند الله خيرا منه . وقد بينا في البقرة أن القوم اسم الرجال دون النساء ، ولذلك قال : " ولا نساء من نساء " و " تلمزوا " بمعنى تعيبوا ، وقد سبق بيانه . والمراد بالأنفس هاهنا : الإخوان . والمعنى : لا تعيبوا إخوانكم من المسلمين لأنهم كأنفسكم . والتنابز : التفاعل من النبز ، وهو مصدر ، والنبز الاسم . والألقاب جمع لقب ، وهو اسم يدعى به الإنسان سوى الاسم الذي سمي به . قال ابن قتيبة : " ولا تنابزوا بالألقاب ) أي : لا تتداعوا بها . و " الألقاب " و " الأنباز " واحد ، ومنه الحديث : " نبزهم الرافضة " أي : لقبهم . وللمفسرين في المراد بهذه الألقاب أربعة أقوال : أحدها : تعيير التائب بسيئات قد كان عملها ، رواه عطية العوفي عن ابن عباس . والثاني : أنه تسميته بعد إسلامه بدينه قبل الإسلام ، كقوله لليهودي إذا أسلم : يا يهودي ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا ، وبه قال الحسن ، وسعيد بن جبير ، وعطاء الخراساني ، والقرطبي . والثالث : أنه قول الرجل للرجل : يا كافر ، يا منافق ، قاله عكرمة . والرابع : أنه تسميته بالأعمال السيئة ، كقوله : يا زاني ، يا سارق ، يا فاسق ، قاله ابن زيد . قال أهل العلم : والمراد بهذه الألقاب : ما يكرهه المنادى به ، أو يعد ذما له . فأما الألقاب التي تكسب حمدا وتكون صدقا ، فلا تكره ، كما قيل لأبي بكر : عتيق ، ولعمر : فاروق ، ولعثمان : ذو النورين ، ولعلي : أبو تراب ، ولخالد : سيف الله ، ونحو ذلك . وقوله : ( بئس الاسم الفسوق ) أي : تسميته فاسقا أو كافرا وقد آمن ، ( ومن لم يتب ) من التنابز ( فأولئك هم