ابن الجوزي
181
زاد المسير في علم التفسير
لرسول الله صلى الله عليه وسلم : لو أتيت عبد الله بن أبي فركب حمارا وانطلق معه المسلمون يمشون ، فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إليك عني ، فوالله لقد آذاني نتن حمارك ، فقال رجل من الأنصار : والله لحمار رسول الله أطيب ريحا منك ، فغضب لعبد الله رجل من قومه ، وغضب لكل واحد منهما أصحابه ، فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال ، فبلغنا أنه أنزلت فيهم " وإن طائفتان . . . " الآية . وقد أخرجا جميعا من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يعود سعد بن عبادة ، فمر بمجلس فيهم عبد الله بن أبي ، وعبد الله بن رواحة ، فخمر ابن أبي وجهه بردائه ، وقال : لا تغبروا علينا ، فذكر الحديث ، وأن المسلمين والمشركين واليهود استبوا . كل وقد ذكرت الحديث بطوله في " المغني " و " الحدائق " . وقال مقاتل : وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار وهو على حمار له ، فبال الحمار ، فقال عبد الله بن أبي : أف ، وأمسك على أنفه ، فقال عبد الله بن رواحة : والله لهو أطيب ريحا منك ، فكان بين قوم ابن أبي وابن رواحة ضرب بالنعال والأيدي والسعف ، ونزلت هذه الآية . والقول الثاني : أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت بينهما مماراة في حق بينهما ، فقال أحدهما : لآخذن حقي عنوة ، وذلك لكثرة عشيرته ، ودعاه الآخر ليحاكمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يزل الأمر بينهما حتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ، قاله قتادة : وقال مجاهد : المراد بالطائفتين : الأوس والخزرج ، اقتتلوا بالعصي بينهم . وقرأ أبي بن كعب ، وابن مسعود ، وأبو عمران الجوني : " اقتتلا " على فعل اثنين مذكرين . وقرأ أبو المتوكل الناجي ، وأبو الجون ، وابن أبي عبلة : " اقتتلتا " بتاء وألف بعد اللام على فعل اثنين مؤنثتين . وقال الحسن وقتادة والسدي ( فأصلحوا بينهما ) بالدعاء إلى حكم كتاب الله عز وجل والرضى بما فيه لهما وعليها ( فإن بغت إحداهما ) طلبت ما ليس لها ، ولم ترجع إلى الصلح ، ( فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء ) أي : ترجع ( إلى أمر الله ) أي : إلى طاعته في الصلح الذي أمر به . قوله تعالى : ( وأقسطوا ) أي : اعدلوا في الإصلاح بينهما . قوله تعالى : ( إنما المؤمنون إخوة ) قال الزجاج : إذا كانوا متفقين في دينهم رجعوا باتفاقهم إلى أصل النسب ، لأنهم لآدم وحواء ، فإذا اختلفت أديانهم افترقوا في النسب . قوله تعالى : ( فأصلحوا بين أخويكم ) قرأ الأكثرون : " بين أخويكم " بياء على التثنية . وقرأ أبي بن كعب ، ومعاوية ، وسعيد بن المسيب ، وابن جبير ، وقتادة ، وأبو العالية ، وابن يعمر ، وابن أبي عبلة ، ويعقوب : " بين إخوتكم " بتاء مع كسر الهمزة على الجمع . وقرأ علي بن أبي طالب ، وأبو رزين ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، والحسن ، والشعبي ، وابن سيرين : " بين إخوانكم " بالنون وألف قبلها . قال قتادة : ويعني بذلك الأوس والخزرج .