ابن الجوزي

172

زاد المسير في علم التفسير

الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا ( 28 ) قوله تعالى : ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) قال المفسرون : سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أري في المنام قبل خروجه إلى الحديبية قائلا يقول له : ( لتدخلن المسجد الحرام ) إلى قوله : ( لا تخافون ) ورأى كأنه هو وأصحابه يدخلون مكة وقد حلقوا وقصروا ، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا ، فلما خرجوا إلى الحديبية حسبوا أنهم يدخلون مكة في عامهم ذلك ، فلما رجعوا ولم يدخلوا قال المنافقون : أين رؤياه التي رأى ؟ فنزلت هذه الآية ، فدخلوا في العام المقبل . وفي قوله : ( إن شاء الله ) ستة أقوال : أحدها : أن " إن " بمعنى " إذ " قاله أبو عبيدة ، وابن قتيبة . والثاني : أنه استثناء من الله ، وقد علمه ، والخلق يستثنون فيما لا يعلمون ، قاله ثعلب ، فعلى هذا يكون المعنى أنه علم أنهم سيدخلونه ، ولكن استثنى على ما أمر الخلق به من الاستثناء . والثالث : أن المعنى : لتدخلن المسجد الحرام إن أمركم الله به ، قاله الزجاج . والرابع : أن الاستثناء يعود إلى دخول بعضهم أو جميعهم ، لأنه علم أن بعضهم يموت ، حكاه الماوردي . والخامس : أنه على وجه الحكاية لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أن قائلا يقول : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " ، حكاه القاضي أبو يعلى . والسادس : أنه يعود إلى الأمن والخوف ، فأما الدخول ، فلا شك فيه ، حكاه الثعلبي . قوله تعالى : ( آمنين ) من العدو ( محلقين رؤوسكم ومقصرين ) من الشعر ( لا تخافون ) عدوا . ( فعلم ما لم تعلموا ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : علم أن الصلاح في الصلح . والثاني : أن في تأخير الدخول صلاحا . والثالث : فعلم أن يفتح عليكم خيبر قبل ذلك . قوله تعالى : ( فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) فيه قولان : أحدهما : فتح خيبر ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال عطاء ، وابن زيد ، ومقاتل . والثاني : صلح الحديبية ، قاله مجاهد ، والزهري ، وابن إسحاق . وقد بينا كيف كان فتحا في أول السورة . وما بعد هذا مفسر في براءة ( وكفى بالله شهيدا ) وفيه قولان .