ابن الجوزي
156
زاد المسير في علم التفسير
الجهاد . وقرأ أبو بكر عن عاصم : " وليبلونكم " بالياء " حتى يعلم " بالياء " ويبلو " بالياء فيهن . وقرأ معاذ القارئ وأيوب السختياني : " أخياركم " بالياء جمع " خير " . قوله تعالى : ( إن الذين كفروا . . . ) الآية اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال : أحدها : أنها في المطعمين يوم بدر ، قاله ابن عباس . والثاني : أنها نزلت في الحارث بن سويد ، ووحوح الأنصاري ، أسلما ثم ارتدا ، فتاب الحارث ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبى صاحبه أن يرجع حتى مات ، قاله السدي . والثالث : أنها في اليهود ، قاله مقاتل . والرابع : أنها في قريظة والنضير ، ذكره الواحدي . قوله تعالى : ( ولا تبطلوا أعمالكم ) اختلفوا في مبطلها على أربعة أقوال : أحدها : المعاصي والكبائر ، قاله الحسن . والثاني : الشك والنفاق ، قاله عطاء . والثالث : الرياء والسمعة ، قاله ابن السائب . والرابع : بالمن ، وذلك أن قوما من الأعراب قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أتيناك طائعين ، قلنا عليك حق ، فنزلت هذه الآية ، ونزل قوله : " يمنون عليك أن أسلموا " ، هذا قول مقاتل . قال القاضي أبو يعلى : وهذا يدل على أن كل من دخل في قربة لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها ، وهذا على ظاهره في الحج ، فأما في الصلاة والصيام ، فهو على سبيل الاستحباب . فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ( 35 ) إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسئلكم أموالكم ( 36 ) إن يسئلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم ( 37 ) ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ( 38 ) قوله تعالى : ( فلا تهنوا ) أي : فلا تضعفوا ( وتدعوا إلى السلم ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، والكسائي ، وحفص عن عاصم : " إلى السلم " بفتح السين ، وقرأ حمزة ، وأبو بكر عن عاصم : بكسر السين ، والمعنى : لا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء . وفي هذا دلالة على أنه لا يجوز طلب الصلح من المشركين ، ودلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل مكة صلحا ، لأنه نهاه عن الصلح .