ابن الجوزي
152
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( فاعلم أنه لا إله إلا الله ) قال بعضهم : أثبت على علمك ، وقال قوم : المراد بهذا الخطاب غيره ، وقد شرحنا هذا في فاتحة ( الأحزاب ) . وقيل : إنه كان يضيق صدره بما يقولون ، فقيل له : اعلم أنه لا كاشف لما بك إلا الله . فأما قوله : ( واستغفر لذنبك ) فإنه كان يستغفر في اليوم مائة مرة ، وأمر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات إكراما لهم لأنه شفيع مجاب . ( والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة ، وهو معنى قول ابن عباس : والثاني : متقلبكم في أصلاب الرجال إلى أرحام النساء ، ومقامكم في القبور ، قاله عكرمة . والثالث : " متقلبكم " بالنهار و " مثواكم " أي : مأواكم بالليل ، قاله مقاتل . قوله تعالى : ( ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ) قال المفسرون : سألوا ربهم أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله ، اشتياقا منهم إلى الوحي وحرصا على الجهاد ، فقالوا : " لولا " أي : هلا : وكان أبو مالك الأشجعي يقول : " لا " هاهنا صلة ، فالمعنى : لو أنزلت سورة ، شوقا منهم إلى الزيادة في العلم ، ورغبة في الثواب والأجر بالاستكثار من الفرائض . وفي معنى " محكمة " ثلاثة أقوال . أحدها : أنها التي يذكر فيها القتال ، قاله قتادة . والثاني : أنها التي يذكر فيها الحلال والحرام . والثالث : التي لا منسوخ فيها ، حكاهما أبو سليمان الدمشقي . ومعنى قوله : ( وذكر فيها القتال ) أي : فرض فيها الجهاد . وفي المراد بالمرض قولان : أحدهما : النفاق ، قاله ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، والجمهور . والثاني : الشك ، قاله مقاتل . قوله تعالى : ( ينظرون إليك ) أي : يشخصون نحوك بأبصارهم ينظرون نظرا شديدا كما ينظر الشاخص ببصره عند الموت ، لأنهم يكرهون القتال ، ويخافون إن قعدوا أن يتبين نفاقهم . ( فأولى لهم ) قال الأصمعي : معنى قولهم في التهديد : " أولى لك " أي : وليك وقاربك ما تكره . وقال ابن قتيبة : هذا وعيد وتهديد ، تقول للرجل - إذا أردت به سوءا ، ففاتك - أولى لك ، ثم ابتدأ ، فقال : ( طاعة وقول معروف . . . ) وقال سيبويه والخليل : المعنى : طاعة وقول معروف أمثل . وقال الفراء : الطاعة معروفة في كلام العرب ، إذا قيل لهم : افعلوا كذلك ، قالوا : سمع وطاعة ، فوصف الله قولهم قبل أن تنزل السورة أنهم يقولون : سمع وطاعة ، فإذا نزل الأمر كرهوا . وأخبرني حبان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قال الله تعالى : ( فأولى ) ، ثم قال : ( لهم ) أي : للذين آمنوا منهم ( طاعة ) ، فصارت " أولى " وعيدا لمن كرهها ، واستأنف الطاعة ب " لهم " ،