ابن الجوزي
9
زاد المسير في علم التفسير
فإن قيل : لم كسرت " إنهم " هاهنا ، وفتحت في براءة في قوله تعالى : ( أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ) فقد بينا علة فتح تلك ، فأما كسر هذه فذكر ابن الأنباري فيه وجهين : أحدهما : أن تكون فيها واو للحال مضمرة ، فكسرت بعدها " إن " للاستئناف ، فيكون التقدير : إلا وإنهم ليأكلون الطعام ، فأضمرت الواو ها هنا كما أضمرت في قوله تعالى : ( أو هم قائلون ) ، والتأويل ، أو وهم قائلون . والثاني : أن تكون كسرت لإضمار " من " قبلها ، فيكون التقدير : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا من إنهم ليأكلون ، قال الشاعر : فظلوا ومنهم دمعة سابق له * وآخر يثني دمعة العين بالمهل أردا : من دمعه . قوله تعالى : ( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ) الفتنة : الابتلاء والاختبار . وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال : أحدها : أنه افتتان الفقير بالغني ، يقول : لو شاء لجعلني غنيا ، والأعمى بالبصير ، والسقيم بالصحيح ، قاله الحسن . والثاني : ابتلاء الشريف بالوضيع ، والعربي بالمولى ، فإذا أراد الشريف أن يسلم فرأى الوضيع قد سبقه بالإسلام أنف فأقام على كفره ، قاله ابن السائب . والثالث : أن المستهزئين من قريش كانوا إذا رأوا فقراء المؤمنين ، قالوا : انظروا إلى أتباع محمد من موالينا ورذالتنا ، قاله مقاتل . فعلى الأول : يكون الخطاب بقوله : ( أتصبرون ) لأهل البلاء . وعلى الثاني : للرؤساء ، فيكون المعنى : أتصبرون على سبق الموالي والأتباع . وعلى الثالث : للفقراء ، والمعنى : أتصبرون على أذى الكفار واستهزائهم ، فالمعنى : قد علمتم ما وعد الصابرون ، ( وكان ربك بصيرا ) بمن يصبر وبمن يجزع . * وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا ( 21 ) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا