ابن الجوزي
183
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( وإذ أخذنا ) المعنى : واذكر إذا أخذنا ( من النبيين ميثاقهم ) أي : عهدهم ، وفيه قولان : أحدهما : أخذ ميثاق النبيين : أن يصدق بعضهم بعضا ، قاله قتادة . والثاني : أن يعبدوا الله [ تعالى ] ويدعوا إلى عبادته ، ويصدق بعضهم بعضا ، وأن ينصحوا لقومهم ، قاله مقاتل . وهذا الميثاق أخذ منهم حين أخرجوا من ظهر آدم كالذر . قال أبي بن كعب : لما أخذ ميثاق الخلق خص النبيين بميثاق آخر . فإن قيل : لم خص الأنبياء الخمسة بالذكر دون غيرهم من الأنبياء ؟ فالجواب : أنه نبه بذلك على فضلهم ، لأنهم أصحاب الكتب والشرائع ، وقدم نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بيانا لفضله عليهم . قال قتادة : كان نبينا أول النبيين في الخلق . وقوله : ( ميثاقا غليظا ) أي : شديدا على الوفاء بما حملوا . وذكر المفسرون أن ذلك العهد الشديد : اليمين بالله عز وجل ( ليسأل الصادقين ) يقول : أخذنا ميثاقهم لكي نسأل الصادقين ، وهم الأنبياء ( عن صدقهم ) في تبليغهم . ومعنى سؤال الأنبياء - وهو يعلم صدقهم - تبكيت مكذبيهم . وهاهنا تم الكلام . ثم أخبر بعد ذلك عما أعد للكافرين بالرسل . قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذا جاءتكم جنود ) وهم الذين تحزبوا على رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] أيام الخندق . الإشارة إلى القصة ذكر أهل العلم بالسيرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أجلي بني النضير ، ساروا إلى خيبر ، فخرج نفر من أشرافهم إلى مكة فألبوا قريشا ودعوهم إلى الخروج لقتاله ، ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليم ، ففارقوهم على مثل ذلك . وتجهزت قريش ومن تبعهم من العرب ، فكانوا أربعة آلاف ، وخرجوا يقودهم أبو سفيان ، ووافتهم بنو سليم ب " مر الظهران " ، وخرجت بنو أسد ، وفزارة ، وأشجع ، وبنو مرة ، فكان جميع من وافى الخندق من القبائل عشرة آلاف ، وهم الأحزاب ، فلما بلغ رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] خروجهم من مكة ، أخبر الناس خبرهم ، وشاورهم ، فأشار سلمان بالخندق ، فأعجب ذلك المسلمين ، وعسكر بهم رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] إلى سفح " سلع " ، وجعل سلعا خلف ظهره ، ودس أبو سفيان بن حرب حيي بن أخطب إلى بني قريظة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] ويكونوا معهم عليه ، فأجابوا ، واشتد الخوف ، وعظم البلاء ، ثم جرت بينهم مناوشة وقتال ، وحصر رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] وأصحابه بضع عشرة ليلة حتى