ابن الجوزي
178
زاد المسير في علم التفسير
والثاني : المؤمنون والمشركون . ثم خوف كفار مكة بقوله [ تعالى ] : ( أو لم يهد لهم ) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي : " نهد " بالنون . وقد سبق تفسيره . ( أو لم يروا أنا نسوق الماء ) يعني المطر والسيل ( إلى الأرض الجرز ) وهي التي لا تنبت - وقد ذكرناها في أول الكهف - فإذا جاء الماء أنبت فيها ما يأكل الناس والأنعام . ( ويقولون ) يعني كفار مكة ( متى هذا الفتح ) وفيه أربعة أقوال : أحدها : أنه ما فتح يوم بدر ، روى عكرمة عن ابن عباس في هذه الآية قال : يوم بدر فتح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت . والثاني : أنه يوم القيامة ، وهو يوم الحكم بالثواب والعقاب ، قاله مجاهد . والثالث : أنه اليوم الذي يأتيهم فيه العذاب في الدنيا ، قاله السدي . والرابع : فتح مكة ، قاله ابن السائب ، والفراء ، وابن قتيبة ، وقد اعترض على هذا القول ، فقيل : كيف لا ينفع الكفار إيمانهم يوم الفتح ، وقد أسلم جماعة وقبل إسلامهم يومئذ ؟ ! ففيه جوابان : أحدهما : لا ينفع من قتل من الكفار يومئذ إيمانهم بعد الموت ، وقد ذكرناه عن ابن عباس . وقد ذكر أهل السير أن خالدا دخل يوم الفتح من غير الطريق التي دخل منها رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] ، فلقيه صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو في آخرين فقاتلوه ، فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم ، فقتل أربعة وعشرين من قريش ، وأربعة من هذيل ، وانهزموا : فلما ظهر رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] قال : " ألم أنه عن القتال " ؟ فقيل : إن خالدا قوتل فقاتل . والثاني : لا ينفع الكفار ما أعطوا من الأمان ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " من أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " . قال الزجاج : يقال : آمنت فلانا ، فعلى هذا يكون المعنى : لا يدفع هذا الأمان عنهم عذاب الله [ عز وجل ] . وهذا القول الذي قد دافعنا عنه ليس بالمختار ، وإنما بينا وجهه لأنه قد قيل . وقد خرج بما ذكرنا في الفتح قولان : أحدهما : أنه الحكم والقضاء ، وهو الذي تختاره . والثاني : فتح البلد . قوله تعالى : ( فأعرض عنهم وانتظر ) أي : انتظر عذابهم ( إنهم منتظرون ) بك حوادث الدهر . قال المفسرون : وهذه الآية منسوخة بأية السيف . والله أعلم بالصواب .