ابن الجوزي
13
زاد المسير في علم التفسير
ولذلك أسكن من أسكن ، والمعنى : ليتني اتبعته فاتخذت معه طريقا إلى الهدى . قوله تعالى : ( يا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ) في المشار إليه أربعة أقوال : أحدها : أنه عنى أبي بن خلف ، قاله ابن عباس . والثاني : عقبة بن أبي معيط ، قاله أبو مالك . والثالث : الشيطان ، قاله مجاهد . والرابع : أمية بن خلف ، قاله السدي . فإن قيل : إنما يكنى من يخاف المبادأة أو يحتاج إلى المداجاة ، فما وجه الكناية ؟ فالجواب : أنه أراد بالظالم : كل ظالم ، وأراد بفلان : كل من أطيع في معصية الله وأرضي بسخط الله ، وإن كانت الآية نزلت في شخص ، قاله ابن قتيبة . قوله تعالى : ( لقد أضلني عن الذكر ) أي : صرفني عن القرآن والإيمان به ( بعد إذ جاءني ) مع الرسول ، وهاهنا تم الكلام . ثم قال الله تعالى : ( وكان الشيطان للإنسان ) يعني : الكافر ( خذولا ) يتبرأ منه في الآخرة . وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ( 30 ) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا ( 31 ) قوله تعالى : ( وقال الرسول ) يعني محمدا صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا عند كثير من العلماء أنه يقوله يوم القيامة ، فالمعنى : ويقول الرسول يومئذ . وذهب آخرون ، منهم مقاتل ، إلى أن الرسول قال ذلك شاكيا من قومه إلى الله تعالى حين كذبوه . وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : " إن قومي اتخذوا " بتحريك الياء ، وأسكنها عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي . وفى المراد بقوله : ( مهجورا ) قولان : أحدهما : متروكا لا يلتفتون إليه ولا يؤمنون به ، وهذا معنى قول ابن عباس ، ومقاتل . والثاني : هجروا فيه ، أي : جعلوه كالهذيان ، ومنه يقال : فلان يهجر في منامه ، أي : يهذي ، قاله ابن قتيبة . وقال الزجاج : الهجر : ما لا ينتفع به من القول : قال المفسرون : فعزا الله عز وجل ، فقال : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ) أي : كما جعلنا لك أعداء من مشركي قومك ، جعلنا لكل نبي عدوا من كفار قومه ، والمعنى : لا يكبرن هذا عليك ، فلك بالأنبياء أسوة ، ( وكفى بربك هاديا )