ابن الجوزي
78
زاد المسير في علم التفسير
قال : أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض ، فقاموا جميعا فقالوا : ربنا رب السماوات والأرض ، فأجمعوا أن يدخلوا الكهف ، فدخلوا ، فلبثوا ما شاء الله ، هذا قول مجاهد . وقال قتادة : كانوا أبناء ملوك الروم ، فتفردوا بدينهم في الكهف ، فضرب الله على آذانهم . فصل فأما سبب بعث أصحاب الكهف من نومهم ، فقال عكرمة : جاءت أمة مسلمة ، وكان ملكهم مسلما ، فاختلفوا في الروح والجسد ، فقال قائل : يبعث الروح والجسد . وقال قائل : يبعث الروح وحده ، والجسد تأكله الأرض فلا يكون شيئا ، فشق اختلافهم على الملك ، فانطلق فلبس المسوح ، وقعد على الرماد ، ودعا الله أن يبعث لهم آية تبين لهم ، فبعث الله أصحاب الكهف . قال وهب ابن منبه : جاء راع قد أدركه المطر إلى الكهف ، فقال : لو فتحت هذا الكهف ، وأدخلته غنمي من المطر ، فلم يزل يعالجه حتى فتحه ، ورد الله إليهم أرواحهم حين أصبحوا من الغد . وقال ابن السائب : احتاج صاحب الأرض التي فيها الكهف أن يبني حظيرة لغنمه ، فهدم ذلك السد ، فبنى به ، فانفتح باب الكهف . وقال ابن إسحاق : ألقى الله في نفس رجل من أهل البلد أن يهدم البنيان فيبني به حظيرة لغنمه ، فاستأجر عاملين ينزعان تلك الحجارة ، فنزعاها ، وفتحا باب الكهف ، فجلسوا فرحين ، فسلم بعضهم على بعض لا يرون في وجوههم ولا أجسادهم شيئا يكرهونه ، إنما هم كهيئتهم حيث رقدوا وهم يرون أن ملكهم في طلبهم ، فصلوا ، وقالوا ليمليخا صاحب نفقتهم : انطلق فاستمع ، ما نذكر به ، وابتع لنا طعاما ، فوضع ثيابه ، وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها ، وخرج فرأى الحجارة قد نزعت عن باب الكهف ، فعجب ، ثم مر مستخفيا متخوفا أن يراه أحد فيذهب به إلى الملك ، فلما رأى باب المدينة رأى عليه علامة تكون لأهل الإيمان ، وخيل إليه أنها ليست بالمدينة التي يعرف ، ورأى ناسا لا يعرفهم ، فجعل يتعجب ويقول : لعلي نائم ; فلما دخلها رأى قوما يحلفون باسم عيسى ، فقام مسندا ظهره إلى جدار ، وقال في نفسه : والله ما أدري ما هذا ، عشية أمس لم يكن على الأرض من يذكر عيسى إلا قتل ، واليوم أسمعهم يذكرونه ، لعل هذه ليست المدينة التي اعرف ، والله ما أعرف مدينة قرب مدينتنا فقام كالحيران ، وأخرج ورقا فأعطاه رجلا وقال : بعني طعاما ، فنظر الرجل إلى نقشه فعجب ، ثم ألقاه إلى آخر ، فجعلوا يتطارحونه بينهم ، ويتعجبون ، ويتشاورون ، وقالوا : إن هذا قد أصاب كنزا ، ففرق منهم ، وظنهم قد عرفوه ، فقال : أمسكوا طعامكم فلا حاجة بي إليه ، فقالوا له : من أنت يا فتى ؟ والله لقد وجدت كنزا وأنت تريد أن تخفيه ، شاركنا فيه وإلا أتينا بك إلى السلطان فيقتلك ، فلم يدر ما يقول ، فطرحوا كساءه في عنقه وهو يبكي ويقول : فرق بيني وبين إخوتي يا ليتهم يعلمون ما لقيت ، فأتوا به إلى رجلين كانا يدبران أمر المدينة ، فقالا : أين الكنز الذي وجدت ؟ قال : ما وجدت كنزا ، ولكن هذه ورق آبائي ،