ابن الجوزي
376
زاد المسير في علم التفسير
والزمن ، ذهبوا به إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم وبعض من سمى الله عز وجل في هذه الآية ، فكان أهل الزمانة يتحرجون من أكل ذلك الطعام لأنه أطعمهم غير مالكه ، فنزلت هذه الآية ، قاله مجاهد . والخامس : أنها نزلت في إسقاط الجهاد عن أهل الزمانة المذكورين في الآية ، قاله الحسن ، وابن يزيد . فعلى القول الأول يكون معنى الآية : ليس عليكم في الأعمى حرج أن تأكلوا معه ، ولا في الأعرج ، وتكون " على " بمعنى " في " ، ذكره ابن جرير . وكذلك يخرج معنى الآية على كل قول بما يليق به . وقد كان جماعة من المفسرين يذهبون إلى أن آخر الكلام " ولا على المريض حرج " وأن ما بعده مستأنف لا تعلق له به ، وهو يقوي قول الحسن ، وابن زيد . قوله تعالى : * ( أن تأكلوا من بيوتكم ) * فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنها بيوت الأولاد . والثاني : البيوت التي يسكنونها وهم فيها عيال غيرهم ، فيكون الخطاب لأهل الرجل وولده وخادمه ومن يشتمل عليه منزله ، ونسبا إليهم لأنهم سكانها . والثالث : أنها بيوتهم ، والمراد أكلهم من مال عيالهم وأزواجهم ، لأن بيت المرأة كبيت الرجل . وإنما أباح الأكل من بيوت القرابات المذكورين ، لجريان العادة ببذل طعامهم لهم ; فإن كان الطعام وراء حرز ، لم يجز هتك الحرز . قوله تعالى : * ( أو ما ملكتم مفاتحه ) * فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الوكيل ، لا بأس أن يأكل اليسير ، وهو معنى قول ابن عباس . وقرأها سعيد بن جبير ، وأبو العالية : " ما ملكتم " بضم الميم وتشديد اللام مع كسرها على ما لم يسم فاعله ، وفسرها سعيد فقال : يعني القهرمان الذي بيده المفاتيح . وقرأ أنس بن مالك ، وقتادة ، وابن يعمر : " مفتاحه " بكسر الميم على التوحيد . والثاني : بيت الإنسان الذي يملكه ، وهو معنى قول قتادة . والثالث : بيوت العبيد ، قاله الضحاك . قوله تعالى : * ( أو صديقكم ) * قال ابن عباس : نزلت هذه في الحارث بن عمرو ، خرج مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] غازيا ، وخلف مالك بن زيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهودا ، فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ، فنزلت هذه الآية . وكان الحسن وقتادة يريان الأكل من طعام الصديق بغير استئذان جائزا .