ابن الجوزي
359
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : * ( ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء ) * روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي سفيان عن جابر ، قال : كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له : اذهبي فابغينا شيئا ، فنزلت هذه الآية . قال المفسرون : وكان له جاريتان ، معاذة ومسيكة ، فكان يكرههما على الزنا ، ويأخذ منهما الضريبة ، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية ، يؤاجرون إماءهم ، فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة : إن هذا الأمر الذي نحن فيه إن كان خيرا فقد استكثرنا منه ، وإن كان شرا فقد آن لنا أن ندعه ، فنزلت هذه الآية . وزعم مقاتل أنها نزلت في ست جوار كن لعبد الله بن أبي ، معاذة ، ومسيكة ، وأميمة ، وقتيلة ، وعمرة ، وأروى . فأما الفتيات ، فهن الإماء . والبغاء : الزنا . والتحصن : التعفف . واختلفوا في معنى * ( إن أردن تحصنا ) * على أربعة أقوال : أحدها : أن الكلام ورد على سبب ، وهو الذي ذكرناه ، فخرج النهي عن صفة السبب ، وإن لم يكن شرطا فيه . والثاني : إنه إنما شرط إرادة التحصن ، لأن الإكراه لا يتصور إلا عند إرادة التحصن ، فأما إذا لم ترد المرأة التحصن ، فإنها تبغي بالطبع . والثالث : أن " إن " بمعنى " إذ " ومثله : * ( وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ) * * ( وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) * . والرابع : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، تقديره : " وأنكحوا الأيامي " إلى قوله : " وإمائكم " " إن أردن تحصنا " ولا تكرهوا فتيانكم على البغاء * ( لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ) * وهو كسبهن وبيع أولادهن * ( ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) * وللمكرهات * ( رحيم ) * وقرأ ابن عباس ، وأبو عمران الجوني ، وجعفر بن محمد : " من بعد إكراههن لهن غفور رحيم " . قوله تعالى : * ( آيات مبينات ) * قرأ ابن عامر ، وأهل الكوفة غير أبي بكر ، وأبان : " مبينات " بكسر الياء في الموضعين في هذه السورة وآخر سورة الطلاق . قوله تعالى : * ( ومثلا من الذين خلوا ) * أي : شبها من حالهم بحالكم أيها المكذبون ، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحق المكذبين قبلهم . الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة