ابن الجوزي
343
زاد المسير في علم التفسير
فإن الله غفور رحيم " 5 " قوله تعالى : * ( والذين يرمون المحصنات ) * شرائط الإحصان عندنا أربعة : البلوغ ، والحرية ، والعقل ، والوطء في نكاح صحيح . فأما الإسلام ، فليس بشرط في الإحصان ، خلافا لأبي حنيفة ، ومالك ومعنى الآية : يرمون المحصنات بالزنا ، فاكتفى بذكره المتقدم عن إعادته * ( ثم لم يأتوا ) * على ما رموهن به * ( بأربعة شهداء ) * عدول يشهدون أنهم رأوهن يفعلن ذلك * ( فاجلدوهم ) * يعني القاذفين . فصل وقد أفادت هذه الآية أن على القاذف إذا لم يقم البينة الحد ورد الشهادة وثبوت الفسق ، واختلفوا هل يحكم بفسقه ورد شهادته بنفس القذف ، أم بالحد ؟ فعلى قول أصحابنا : إنه يحكم بفسقه ورد شهادته إذا لم يقم البينة ، وهو قول الشافعي . وقال أبو حنيفة ومالك : لا يحكم بفسقه ، وتقبل شهادته ما لم يقم الحد عليه . فصل والتعريض بالقذف - كقوله لمن يخاصمه : ما أنت بزان ، ولا أمك زانية - يوجب الحد في المشهور من مذهبنا . وقال أبو حنيفة : لا يوجب الحد . وحد العبد في القذف نصف حد الحر ، وهو أربعون ، قاله الجماعة ، إلا الأوزاعي فإنه قال : ثمانون . فأما قاذف المجنون ، فقال الجماعة : لا يحد . وقال الليث : يحد . فأما الصبي ، فإن كان مثله يجامع أو كانت صبية مثلها يجامع ، فعلى القاذف الحد . وقال مالك : يحد قاذف الصبية التي يجامع مثلها ، ولا يحد قذف الصبي . وقال أبو حنيفة ، والشافعي : لا يحد قاذفهما . فإن قذف رجل جماعة بكلمة واحدة ، فعليه حد واحد ، وإن أفرد كل واحد بكلمة ، فعليه لكل واحد حد ، وهو قول الشعبي ، وابن أبي ليلى ; وقال أبو حنيفة وأصحابه : عليه حد واحد ، سواء قذفهم بكلمة أو بكلمات . فصل وحد القذف حق لآدمي ، يصح ان يبرئ منه ، ويعفو عنه ، وقال أبو حنيفة : هو حق الله [ عز وجل ] وعندنا أنه لا يستوفي إلا بمطالبة المقذوف ، وهو قول الأكثرين . وقال ابن أبي ليلى : يحده الإمام وإن لم يطالب المقذوف . قوله تعالى : * ( إلا الذين تابوا ) * أي : من القذف * ( وأصلحوا ) * قال ابن عباس : أظهروا التوبة ; وقال غيره : لم يعودوا إلى قذف المحصنات ، وفي هذا الاستثناء قولان :