ابن الجوزي
327
زاد المسير في علم التفسير
ثم ذكر المؤمنين فقال : * ( إن الذين هم خشية ربهم مشفقون ) * وقد شرحنا هذا المعنى في قوله : * ( وهم من خشيته مشفقون ) * . قوله تعالى : * ( والذين يؤتون ما آتوا ) * وقرأ عاصم الجحدري : " يأتون ما أتوا " بقصر همزة " أتوا " . وسألت عائشة رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن هذه الآية فقالت : يا رسول الله ، أهم الذين يذنبون وهم مشفقون ؟ فقال : " لا ، بل هم الذين يصلون وهم مشفقون ، ويصومون وهم مشفقون ، ويتصدقون وهم مشفقون أن لا يتقبل منهم " . قال الزجاج : فمعنى : " يؤتون " : يعطون ما أعطوا وهم يخافون أن لا يتقبل منهم ، * ( أنهم إلى ربهم راجعون ) * أي : لأنهم يوقنون أنهم يرجعون . ومعنى " يأتون " : يعملون الخيرات وقلوبهم خائفة أن يكونوا مع اجتهادهم مقصرين ، * ( أولئك يسارعون في الخيرات ) * وقرأ أبو المتوكل ، وابن السميفع : " يسرعون " برفع الياء وإسكان السين وكسر الراء من غير ألف . قال الزجاج : يقال : أسرعت وسارعت في معنى واحد ، إلا أن " سارعت " أبلغ من " أسرعت " ، * ( وهم لها ) * أي : من أجلها ، وهذا كما تقول : أنا أكرم فلانا لك ، أي : من أجلك . وقال بعض أهل العلم : الوجل المذكور هاهنا واقع على مضمر . ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم يظلمون " 62 " في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون " 63 " حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون " 64 " لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون " 65 " قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون " 66 " مستكبرين به سامرا تهجرون " 67 " قوله تعالى : * ( ولدينا كتاب ) * يعني : اللوح المحفوظ * ( ينطق بالحق ) * قد أثبت فيه أعمال الخلق ، فهو ينطق بما يعملون * ( وهم لا يظلمون ) * أي : لا ينقصون من ثواب أعمالهم . ثم عاد إلى الكفار ، فقال : * ( بل قلوبهم في غمرة من هذا ) * قال مقاتل : في غفلة عن الإيمان بالقرآن . وقال ابن جرير : في عمى عن هذا القرآن . قال الزجاج : يجوز أن يكون إشارة إلى ما وصف من أعمال البر في قوله : * ( أولئك يسارعون في الخيرات ) * ، فيكون المعنى : بل قلوب هؤلاء في عماية من هذا ; ويجوز أن يكون إشارة إلى الكتاب ، فيكون المعنى : بل قلوبهم في غمرة من الكتاب الذي ينطق بالحق وأعمالهم محصاة فيه . فخرج في المشار إليه ب " هذا " ثلاثة أقوال . أحدها : القرآن .