ابن الجوزي

323

زاد المسير في علم التفسير

والثاني : نحيا ونموت ، لأن الواو للجمع ، لا للترتيب . والثالث : ابتداؤنا موات في أصل الخلقة ، ثم نحيا ، ثم نموت . قوله تعالى : * ( إن هو ) * يعنون الرسول . وقد سبق تفسير ما بعد هذا إلى قوله : * ( قال عما قليل ) * قال الزجاج : معناه : عن قليل ، و " ما " زائدة بمعنى التوكيد . قوله تعالى : * ( ليصبحن نادمين ) * أي : على كفرهم ، * ( فأخذتهم الصيحة بالحق ) * أي : باستحقاقهم العذاب بكفرهم . قال المفسرون : صاح بهم جبريل صيحة رجفت لها الأرض من تحتهم ، فصاروا لشدتها غثاء . قال أبو عبيدة : الغثاء : ما أشبه الزبد وما ارتفع على السيل ونحو ذلك مما لا ينتفع به في شئ . وقال ابن قتيبة : المعنى : فجعلناهم هلكى كالغثاء ، وهو ما علا السيل من الزبد والقمش ، لأنه يذهب ويتفرق . وقال الزجاج : الغثاء : الهالك والبالي من ورق الشجر الذي إذا جرى السيل رأيته مخالطا زبده . وما بعد هذا قد سبق شرحه إلى قوله تعالى : * ( ثم أرسلنا رسلنا تترى ) * قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وأبو جعفر : " تترى كلما " منونة والوقف بالألف . وقرأ نافع ، وابن عامر ، وعاصم ، وحمزة ، والكسائي : بلا تنوين ، والوقف عند نافع وابن عامر ، بألف . وروى هبيرة ، وحفص عن عاصم ، أنه يقف بالياء ; قال أبو علي : يعني بقوله : يقف بالياء ، أي : بألف ممالة . قال الفراء : أكثر العرب على ترك التنوين ، ومنهم من نون ، قال ابن قتيبة : والمعنى : نتابع بفترة بين كل رسولين ، وهو من التواتر ، والأصل : وترى ، فقبلت الواو تاء كما قلبوها في التقوى والتخمة . وحكى الزجاج عن الأصمعي أنه قال : معنى واترت الخبر : اتبعت بعضه بعضا ، وبين الخبرين هنية . وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال : ومما تضعه العامة غير موضعه قولهم : تواترت كتبي إليك ، يعنون : اتصلت من غير انقطاع ، فيضعون التواتر في موضع الاتصال ، وذلك غلط ، إنما التواتر مجئ الشئ ثم انقطاعة ثم مجيئه ، وهو التفاعل من الوتر ، وهو الفرد ، يقال : واترت الخبر ، أتبعت بعضه بعضا ، وبين الخبرين هنيهة قال الله تعالى : * ( ثم أرسلنا رسلنا تترى ) * أصلها " وترى " من المواترة فأبدلت التاء من الواو ، ومعناه : منقطعة متفاوتة ، لأن بين كل نبيين دهرا طويلا ، وقال أبو هريرة : لا بأس بقضاء رمضان تترى ، أي : منقطعا ، فإذا قيل : واتر فلان كتبه ، فالمعنى : تابعها ، وبين كل كتابين فترة . قوله تعالى : * ( فأتبعنا بعضهم بعضا ) * أي : أهلكنا الأمم بعضهم في إثر بعض * ( وجعلناهم أحاديث ) * قال أبو عبيدة : أي : يتمثل بهم في الشر ، ولا يقال في الخير : جعلته حديثا .