ابن الجوزي

317

زاد المسير في علم التفسير

فالجواب : أن الخلق يكون بمعنى الإيجاد ، ولا موجد سوى الله ، ويكون بمعنى التقدير ، كقول زهير : وبعض القوم يخلق ثم لا يفري فهذا المراد ها هنا ، أن بني آدم قد يصورون ويقدرون ويصنعون الشئ ، فالله خير المصورين والمقدرين . وقال الأخفش : الخالقون هاهنا هم الصانعون ، فالله خير الخالقين . قوله تعالى : * ( ثم إنكم بعد ذلك ) * أي : بعد ما ذكر من تمام الخلق * ( لميتون ) * عند انقضاء آجالكم . وقرأ أبو رزين العقيلي ، وعكرمة ، وابن أبي عبلة : " لمائتون " بألف . قال الفراء : والعرب تقول لمن لم يمت : إنك مائت عن قليل ، وميت ، ولا يقولون للميت الذي قد مات : هذا مائت ، إنما يقال في الاستقبال فقط ، وكذلك يقال : هذا سيد قومه اليوم ، فإذا أخبرت أنه يسودهم عن قليل ، قلت : هذا سائد قومه عن قومه ، وكذلك هذا شريف القوم ، وهذا شارف عن قليل ; وهذا الباب كله في العربية على ما وصفت لك . ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين " 17 " وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون " 18 " فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون " 19 " وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين " 20 " قوله تعالى : * ( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ) * يعني : السماوات السبع ، قال الزجاج : كل واحدة طريقة . وقال ابن قتيبة : إنما سميت " طرائق " بالتطارق ، لأن بعضها فوق بعض ، يقال : طارقت الشئ : إذا جعلت بعضه فوق بعض . قوله تعالى : * ( وما كنا عن الخلق غافلين ) * فيه ثلاثة أقوال : أحدها : ما غفلنا عنهم إذ بنينا فوقهم سماء أطلعنا فيها الشمس والقمر والكواكب . والثاني : ما كنا تاركين لهم بغير رزق ، فأنزلنا المطر . والثالث : لم نغفل عن حفظهم من أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم . قوله تعالى : * ( وأنزلنا من السماء ماء بقدر ) * يعلمه الله ، وقال مقاتل : بقدر ما يكفيهم للمعيشة .