ابن الجوزي
262
زاد المسير في علم التفسير
والسادس : أن الوحي انقطع عنه أربعين يوما ، فخاف هجران ربه ، فقال : " مسني الضر " ، ذكره الماوردي . فإن قيل : أين الصبر ، وهذا لفظ الشكوى ؟ فالجواب : أن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر ، وإنما المذموم الشكوى إلى الخلق ، ألم تسمع قول يعقوب : " إنما أشكو بثي وحزني إلى الله " . قال سفيان بن عيينة : وكذلك من شكا إلى الناس ، وهو في شكواه راض بقضاء الله ، لم يكن ذلك جزعا ، ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل في مرضه : " أجدني مغموما " و " أجدني مكروبا " ، وقوله : " بل أنا وا رأساه " . قوله تعالى : * ( وآتيناه أهله ) * يعني : أولاده * ( ومثلهم معهم ) * فيه أربعة أقوال : أحدها : أن الله تعالى أحيا له أهله بأعيانهم ، وآتاه مثلهم معهم في الدنيا ، قاله ابن مسعود ، والحسن ، وقتادة . وروى أبو صالح عن ابن عباس : كانت امرأته ولدت له سبعة بنين وسبع بنات ، فنشروا له ، وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات . والثاني : أنهم كانوا قد غيبوا عنه ولم يموتوا ، فآتاه في الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة ، رواه هشام عن الحسن . والثالث : آتاه الله أجور أهله في الآخرة ، وآتاه مثلهم في الدنيا ، قاله نوف ، ومجاهد . والرابع : آتاه أهله ومثلهم معهم في الآخرة ، حكاه الزجاج . قوله تعالى : * ( رحمة من عندنا وذكرى ) * أي عظة * ( للعابدين ) * قال محمد بن كعب : من أصابه بلاء فليذكر ما أصاب أيوب ، فليقل : إنه قد أصاب من هو خير مني . قوله تعالى : * ( وذا الكفل ) * اختلفوا هل كان نبيا ، أم لا ؟ على قولين . أحدهما : أنه لم يكن نبيا ، ولكنه كان عبدا صالحا ، قاله أبو موسى الأشعري ، ومجاهد . ثم اختلف أرباب هذا القول في علة تسميته بذي الكفل على ثلاثة أقوال : أحدها : أن رجلا كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي ، فكفل بصلاته ، فسمي : ذا الكفل ، قاله أبو موسى الأشعري . والثاني : أنه تكفل للنبي بقومه أن يكفيه أمرهم ويقيمه ويقضي بينهم بالعدل ففعل ، فسمي : ذا الكفل ، قاله مجاهد . والثالث : أن ملكا قتل ثلاثمائة ، وفر منه مائة نبي ، فكفلهم ذو الكفل ، قاله ابن السائب .