ابن الجوزي

253

زاد المسير في علم التفسير

" نكسوا " بفتح النون والكاف مخففة . قال أبو عبيدة : " نكسوا " : قلبوا ، تقول : نكست فلانا على رأسه ; إذا قهرته وعلوته . ثم في المراد بهذا الانقلاب ثلاثة أقوال . أحدها : أدركتهم حيرة ، فقالوا : * ( لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) * ، قاله قتادة . والثاني : رجعوا إلى أول ما كانوا يعرفونها به من أنها لا تنطق ، قاله ابن قتيبة . والثالث : انقلبوا على إبراهيم يحتجون عليه بعد أن أقروا به ولاموا أنفسهم في تهمته ، قاله أبو سليمان . وفي قوله تعالى : * ( لقد علمت ) * إضمار " قالوا " ، وفي هذا إقرار منهم بعجز ما يعبدونه عن النطق ، فحينئذ توجهت لإبراهيم الحجة ، فقال موبخا لهم : * ( أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ) * أي : لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئا * ( ولا يضركم ) * إذا لم تعبدوه ، وفي هذا حث لهم على عبادة من يملك النفع والضر ، * ( أف لكم ) * قال الزجاج : معناه : النتن لكم ; فلما ألزمهم الحجة غضبوا ، فقالوا : * ( حرقوه ) * . وذكر في التفسير ان نمرود استشارهم ، بأي عذاب أعذبه ، فقال رجل : حرقوه ، فخسف الله به الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة . قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين " 68 " قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " 69 " وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين " 70 " ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين " 71 " ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين " 73 " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين " 74 " قوله تعالى : * ( وانصروا آلهتكم ) * أي : بتحريقه ، لأنه يعيبها * ( إن كنتم فاعلين ) * أي : ناصريها . الإشارة إلى القصة ذكر أهل التفسير أنهم حبسوا إبراهيم عليه السلام في بيت ثم بنوا له حيرا طول جداره ستون ذراعا إلى سفح جبل منيف ، ونادى منادي الملك : أيها الناس احتطبوا لإبراهيم ، ولا يتخلفن عن ذلك صغير ولا كبير ، فمن تخلف ألقي في تلك النار ، ففعلوا ذلك أربعين ليلة ، حتى إن كانت