ابن الجوزي
250
زاد المسير في علم التفسير
قال المفسرون : فانطلقوا به إلى نمرود ، فقال له : * ( أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟ قال بل فعله كبيرهم هذا ) * غضب أن تعبد معه الصغار ، فكسرها ، * ( فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) * من فعله بهم ؟ ! وهذا إلزام للحجة عليهم بأنهم جماد لا يقدرون على النطق . واختلف العلماء في وجه هذا القول من إبراهيم عليه السلام على قولين : أحدهما : وإنه وإن كان في صورة الكذب ، إلا أن المراد به التنبيه على أن من لا قدرة له ، لا يصلح أن يكون إلها . ومثله قول الملكين لدواد : " إن هذا أخي " . له تسع وتسعون نعجة " ، ولم يكن له شئ ، فجرى هذا مجرى التنبيه لداود على ما فعل ، أنه هو المراد بالفعل والمثل المضروب ; ومثل هذا لا تسميه العرب كذبا . والثاني : أنه من معاريض الكلام ; فروي عن الكسائي أنه كان يقف عند قوله [ تعالى ] : * ( بل فعله ) * ويقول معناه : فعله مفعله ، ثم يبتدئ * ( كبيرهم هذا ) * . قال الفراء : وقرأ بعضهم : " بل فعله " بتشديد اللام ، يريد : بل فعله كبيرهم هذا . وقال ابن قتيبة : هذا من المعاريض ، ومعناه : إن كانوا ينطقون ، فقد فعله كبيرهم ، وكذلك قوله : * ( إني سقيم ) * أي : سأسقم ، ومثله * ( إنك ميت ) * أي : ستموت ، وقوله : * ( لا تؤاخذني بما نسيت ) * قال ابن عباس : لم ينس ، ولكنه من معاريض الكلام ، والمعنى : لا تؤاخذني بنسياني ، ومن هذا قصة الخصمين إذ تسوروا المحراب " ومثله * ( وإنا أو إياكم لعلى هدى ) * ، والعرب تستعمل التعريض في كلامها كثيرا ، فتبلغ إرادتها بوجه هو ألطف من الكشف وأحسن من التصريح . وروي أن قوما من الأعراب خرجوا يمتارون ، فلما صدروا ، خالف رجل في بعض الليل إلى عكم صاحبه ، فأخذ منه برا وجعله في عكمه ، فلما أراد الرحلة وقاما يتعاكمان ، رأى عكمه يشول ، وعكم صاحبه يثقل ، فأنشأ يقول :