ابن الجوزي

248

زاد المسير في علم التفسير

لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " 57 " فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون " 58 " قوله تعالى * ( ولقد آتينا إبراهيم رشده ) * أي : هداه * ( من قبل ) * وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : من قبل بلوغه ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : آتيناه ذلك في العلم السابق ، قاله الضحاك عن ابن عباس . والثالث : من قبل موسى وهارون ، قاله الضحاك . وقد أشرنا إلى قصة إبراهيم في الأنعام . قوله تعالى : * ( وكنا به عالمين ) * أي : علمنا أنه موضع لإيتاء الرشد . ثم بين متى آتاه فقال : * ( إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ) * يعني : الأصنام : والتمثال : اسم للشيء المصنوع مشبها بخلق من خلق الله تعالى ، وأصله من مثلث الشئ بالشيء إذا شبهته به وفي قوله تعالى : * ( التي أنتم لها ) * أي : على عبادتها * ( عاكفون ) * أي : مقيمون ، فأجابوه أنهم رأوا آباءهم في ضلال مبين ، * ( قالوا أجئتنا بالحق ) * . يعنون : أجاد أنت ، أم لاعب ؟ ! قوله تعالى : * ( لأكيدن أصنامكم ) * الكيد : احتيال الكائد في ضر المكيد . والمفسرون يقولون : لأكيدنها بالكسر * ( بعد أن تولوا ) * أي : تذهبوا عنها ، وكان لهم عيد في كل سنة يخرجون إليه ولا يخلفون بالمدينة أحدا ، فقالوا لإبراهيم : لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا ، فخرج معهم ، فلما كان ببعض الطريق ، قال : إني سقيم ، وألقى نفسه ، وقال سرا منهم : " وتالله لأكيدن أصنامكم " ، فسمعه رجل منهم ، فأفشاه عليه ، فرجع إلى بيت الأصنام ، وكانت - فيما ذكره مقاتل ابن سليمان - اثنين وسبعين صنما من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب ، فكسرها ، ثم وضع الفأس في عنق الصنم الكبير ، فذلك قوله : * ( فجعلهم جذاذا ) * قرأ الأكثرون : " جذاذا " بضم الجيم . وقرأ أبو بكر الصديق ، وابن مسعود ، وأبو رزين ، وقتادة ، وابن محيصن ، والأعمش ، والكسائي : " جذاذا " بكسر الجيم . وقرأ أبو رجاء العطاردي ، وأيوب السختياني ، وعاصم الجحدري : " جذاذا " بفتح الجيم . وقرأ الضحاك ، وابن يعمر : " جذذا " بفتح الجيم من غير ألف . مستأصلين ، قال جرير . - بني المهلب جذ الله دابرهم * أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف - أي : لم يبق منهم شئ ولفظ " جذاذ " يقع على الواحد والاثنين والجميع من المذكر