ابن الجوزي
211
زاد المسير في علم التفسير
جاء من عند معلمه ، قال : جئت من عند كبيري . قوله تعالى : * ( ولأصلبنكم في جذوع النخل ) * " في " بمعنى " على " ، ومثله : * ( أم لهم سلم يستمعون فيه ) * . * ( ولتعلمن ) * أيها السحرة * ( أينا أشد عذابا ) * لكم * ( وأبقى ) * أي : أدوم ، أنا على إيمانكم ، أو رب موسى على ترككم الإيمان به ؟ * ( قالوا لن نؤثرك ) * أي : لن نختارك * ( على ما جاءنا من البينات ) * يعنون اليد والعصا . فإن قيل : لم نسبوا الآيات إلى أنفسهم بقولهم : " جاءنا " وإنما جاءت عامة لهم ولغيرهم . فالجواب أنهم لما كانوا بأبواب السحر ومذاهب الاحتيال أعرف من غيرهم ، وقد علموا أن ما جاء به موسى ليس بسحر ، كان ذلك في حق غيرهم أبين وأوضح ، وكانوا هم لمعرفته أخص . قوله تعالى : * ( والذي فطرنا ) * وجهان ذكرهما الفراء ، والزجاج . أحدهما : أن المعنى : لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات ، وعلى الذي فطرنا . والثاني : أنه قسم ، تقديره : وحق الذي فطرنا . قوله تعالى : * ( فاقض ما أنت قاض ) * أي : فاصنع ما أنت صانع . وأصل القضاء : عمل بإحكام * ( إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ) * قال الفراء : " إنما " حرف واحد ، فلهذا نصب : " الحياة الدنيا " . ولو قرأ قارئ برفع " الحياة " لجاز ، على أن يجعل " ما " في مذهب " الذي " ، كقولك : إن الذي تقضي هذه الحياة الدنيا . وقرأ ابن أبي عبلة ، وأبو المتوكل : " إنما تقضى " بضم التاء على ما لم يسم فاعله ، " الحياة " برفع التاء . قال المفسرون : والمعنى إنما سلطانك وملكك في هذه الدنيا ، لا في الآخرة . قوله تعالى : * ( ليغفر لنا ) * يعنون الشرك * ( وما أكرهتنا عليه ) * أي : والذي أكرهتنا عليه ، أي : ويغفر لنا إكراهك إيانا على السحر . فإن قيل : كيف قالوا : أكرهتنا ، وقد قالوا : * ( إن لنا لأجرا ) * وفي هذا دليل على أنهم فعلوا السحر غير مكرهين ؟ فعنه أربعة أجوبة : أحدهما : أن فرعون كان يكره الناس على تعلم السحر ، قال ابن عباس . قال ابن الأنباري : كان يطالب بعض أهل مملكته بأن يعلموا أولادهم السحر وهم لذلك كارهون ، وذلك لشغفه بالسحر ، ولما خامر قلبه من خوف موسى ، فالإكراه على السحر ، هو الإكراه على تعلمه في أول الأمر . والثاني : أن السحرة لما شاهدوا موسى بعد قولهم : " أئن لنا لأجرا " ورأوا ذكره الله تعالى وسلوكه منهاج المتقين ، جزعوا من ملاقاته بالسحر ، وحذروا أن يظهر عليهم فيطلع على ضعف