ابن الجوزي

169

زاد المسير في علم التفسير

أحدها : أنه كان يصعد له من العمل مثل ما يصعد لجميع بني آدم ; فأحبه ملك الموت ، فاستأذن الله في خلته ، فأذن له ، فهبط إليه في صورة آدمي ، يقول يصحبه ، فلما عرفه ، قال : إني أسألك حاجة ، قال : ما هي ؟ قال : تذيقني الموت ، فلعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادا ; فأوحى الله إليه أن اقبض روحة ساعة ثم أرسله ، ففعل ، ثم قال : كيف رأيت ؟ قال : كان أشد مما بلغني عنه ، وإني أحب أن تريني النار ، قال : فحمله ، فأراه إياها ; قال : إني أحب أن تريني الجنة ، فأراه إياها ، فلما دخلها وطاف فيها ، قال له ملك الموت : اخرج ، فقال : والله لا أخرج حتى يكون الله تعالى يخرجني ; فبعث الله ملكا فحكم بينهما ، فقال : ما تقول يا ملك الموت ؟ فقص عليه ما جرى ; فقال : ما تقول يا إدريس ؟ قال : إن الله تعالى قال : * ( كل نفس ذائقة الموت ) * وقد ذقته ، وقال : * ( وإن منكم إلا واردها ) * وقد وردتها ، وقال لأهل الجنة : * ( وما هم منها بمخرجين ) * ، فوالله لا أخرج حتى يكون الله يخرجني ; فسمع هاتفا من فوقه يقول : بإذني دخل ، وبأمري فعل ، فخل سبيله ; هذا معنى ما رواه زيد بن أسلم مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فإن سأل سائل فقال : من أين لإدريس هذه الآيات ، وهي في كتابنا ؟ ! فقد ذكر ابن الأنباري عن بعض العلماء ، قال : كان الله تعالى قد أعلم إدريس بما ذكر في القرآن من وجوب الورود ، وامتناع الخروج من الجنة ، وغير ذلك ; فقال ما قاله بعلم . والثاني : أن ملكا من الملائكة استأذن ربه أن يهبط إلى إدريس ، فأذن له ، فلما عرفه إدريس ، قال : هل بينك وبين ملك الموت قرابة ؟ قال : ذاك أخي من الملائكة ، قال : هل تستطيع أن تنفعني عند ملك الموت ؟ قال : سأكلمه فيك ، فيرفق بك ، اركب بين جناحي ، فركب إدريس ، فصعد به إلى السماء فلقي ملك الموت ، فقال : إن لي إليك حاجة ، قال ; أعلم ما حاجتك ، تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة ولم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين ؟ ! فمات إدريس بين جناحي الملك ، رواه عكرمة عن ابن عباس . وقال أبو صالح عن ابن عباس : فقبض ملك الموت روح إدريس في السماء السادسة . والثالث : أن إدريس مشى يوما في الشمس ، فأصابه وهجها ، فقال : اللهم خفف ثقلها عمن يحملها ، يعني به الملك الموكل بالشمس ، فلما أصبح الملك وجد من خفة الشمس وحرها مالا يعرف ، فسأل الله تعالى عن ذلك ، فقال : إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها ، فأجبته ، فقال : يا رب اجمع بيني وبينه ، واجعل بيننا خلة ، فأذن له ، فأتاه ، فكان فيما قاله إدريس : اشفع لي إلى ملك الموت ليؤخر أجلي ، فقال : إن الله لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ، ولكن أكلمه فيك ، فما كان مستطيعا أن يفعل بأحد من بني آدم فعل بك ثم حمله الملك على جناحه ، فرفعه