ابن الجوزي

167

زاد المسير في علم التفسير

ربي شقيا ) * أي : أرجو أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام ، لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم * ( فلما اعتزلهم ) * قال المفسرون : هاجر عنهم إلى أرض الشام ، فوهب الله له إسحاق ويعقوب ، فآنس الله وحشته عن فراق قومه بأولاد كرام . قال أبو سليمان : وإنما وهب له إسحاق ويعقوب بعد إسماعيل . قوله تعالى : * ( وكلا ) * أي : وكلا من هذين . وقال مقاتل : * ( وكلا ) * يعني : إبراهيم وإسحاق ويعقوب * ( جعلناه نبيا ) * . قوله تعالى : * ( ووهبنا لهم من رحمتنا ) * قال المفسرون : المال والولد والعلم والعمل ، * ( وجعلنا لهم لسان صدق عليا ) * : أي : ذكرا حسنا في الناس مرتفعا ، فجميع أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته ويثنون عليهم ، فوضع اللسان مكان القول ، لأن القول يكون باللسان . واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا " 51 " وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا " 52 " ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا " 53 " قوله تعالى : * ( إنه كان مخلصا ) * قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، والمفضل عن عاصم : " مخلصا " بكسر اللام . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم بفتح اللام . قال الزجاج : المخلص ، بكسر اللام : الذي وحد الله ، وجعل نفسه خالصة في طاعة الله غير دنسة ، والمخلص ، بفتح اللام : الذي أخلصه الله ، وجعله مختارا خالصا من الدنس . قوله تعالى : * ( وكان رسولا ) * قال ابن الأنباري : إنما أعاد * ( كان ) * لتفخيم النبي المذكور . قوله تعالى : * ( وناديناه من جانب الطور ) * أي : من ناحية الطور ، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير . قال ابن الأنباري : خاطب الله العرب بما يستعملون في لغتهم ، ومن كلامهم : عن يمين القبلة وشمالها ، يعنون : مما يلي يمين المستقبل لها وشماله ، فنقلوا الوصف إلى ذلك اتساعا عند انكشاف المعنى ، لأن الوادي لا يد له فيكون له يمين . وقال المفسرون : جاء النداء عن يمين موسى ، فلهذا قال : " الأيمن " ; ولم يرد به يمين الجبل . قوله تعالى : * ( وقربناه نجيا ) * قال ابن الأنباري : معناه : مناجيا ، فعبر " فعيل " عن مفاعل ، كما قالوا : فلان خليطي وعشيري : يعنون : مخالطي ومعاشري . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله : " وقربناه " قال : حتى سمع صريف القلم حين كتب له في الألواح .